كتب محمد شقير في «الشرق الأوسط» أن لبنان يترقب، مع بدء شهر أيلول الحالي، إبلاغ الولايات المتحدة الأميركية بموعد الجولة الثامنة من «مفاوضات روما – 3»، على أن تتزامن مع خرق يمكن البناء عليه لتفعيل تطبيق «اتفاق الإطار» وإخراجه من المراوحة. وقال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إنه لا جدوى من انعقاد الجولة إذا انتهت، كما سابقتها السابعة، من دون إحراز تقدم في تشكيل «آلية التحقق» المكلفة التأكد من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية الأولى» وخلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه.
وأظهرت الاتصالات اللبنانية – الإيطالية أن روما لا تبدي حماسة لترؤس «آلية التحقق»، بسبب تحفظات ومحاذير أقرب إلى المخاوف، رغم عدم اعتراض الدول الثلاث المعنية بـ«اتفاق الإطار» على إسناد المهمة إليها.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري أن مدير المخابرات الإيطالية، الجنرال جيوفاني كارافيلي، زار بيروت أخيراً والتقى القيادات السياسية والعسكرية المعنية بالمفاوضات، في مهمة استكشافية تناولت الوضع في الجنوب المرتبط مباشرة بآلية التحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية الأولى».
وأوضح المصدر أن الزيارة سبقت إعلان رئيس المجلس النيابي نبيه بري رفضه «المناطق التجريبية» بصيغتها الحالية، التي تقتصر على بلدات محررة، إضافة إلى زوطر الغربية التي انسحبت منها إسرائيل، لكنها تصر على دخول أطرافها من حين إلى آخر عبر بلدة زوطر الشرقية المحتلة. وطالب بري بتوسيع هذه المناطق عبر اعتماد القضاء، لتشمل مدناً وبلدات لا تزال محتلة. وجاء ذلك قبل تأكيد رفضه ما يسمى «المناطق التجريبية»، الأمر الذي يترقب معه رد فعل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، المشرف على المفاوضات، على موقف بري المستجد.
وقال المصدر إن الموفد الإيطالي لم يبدِ حماسة لإسناد «آلية التحقق» إلى بلاده، مشيراً إلى محاذير وهواجس عدة، في مقدمها عدم توفير الضمانات لفريق المراقبين الإيطاليين للقيام بمهمته في ظل رفض «حزب الله» لـ«المناطق التجريبية» و«آلية التحقق». كما أن روما لا تحبذ تولي فريقها التحقق من انتشار الجيش اللبناني، لأنها لا تقبل «التشكيك في المهمة الموكلة إليه على هذا الصعيد، ولا المس بمصداقية المؤسسة العسكرية اللبنانية التي نثق بها».
وأضاف أن تجارب تعاون «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)»، التي تشارك فيها إيطاليا منذ تكليفها عام 1978 تطبيق «القرار 425»، ولاحقاً «القرار 1701»، لم تكن مشجعة على مواصلة تحريض «حزب الله» ما تسمى «العائلات» ضد القوة الدولية. ونقل المصدر الوزاري أن إيطاليا، وهي تستعد للانتخابات النيابية، لا تحبذ ترؤس «آلية التحقق» خشية استهداف أمن مراقبيها وتعريض حياتهم للخطر، بما قد ينعكس سلباً على الحزب الحاكم قبل الانتخابات.
في المقابل، أكد المصدر أن واشنطن وتل أبيب لا تزالان تستبعدان أي دور لفرنسا وإسبانيا في «آلية التحقق». وتقترح إسبانيا إسناد رئاسة الآلية إلى أذربيجان التي تقيم معها علاقات دبلوماسية، وهو ما يعترض عليه «حزب الله». أما الحكومة اللبنانية فتحبذ اختيار دولة أوروبية محايدة تتولى التحقق من انتشار الجيش، شرط التوافق على خطة العمل والمعايير اللازمة لضمان خلو «المنطقة التجريبية الأولى» من سلاح «الحزب» ومقاتليه.
ونقل المصدر عن رئيس «مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان»، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، قوله إن التوافق على «آلية التحقق» ودورها سيفتح الباب أمام تسريع توسيع «المنطقة التجريبية» لتشمل بلدات خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ولا تحجب الصعوبات التي تعوق التفاهم على الآلية، بوصفها خطوة لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار»، المواجهة المشتعلة على جبهة تلال «علي الطاهر»، وفق مصدر أمني بارز لـ«الشرق الأوسط». وأوضح أن إسرائيل تكتفي باستهداف البلدات المحيطة بالتلال والمنافذ والمداخل المؤدية إليها، لتشديد الحصار وقطع الطريق على إيصال الإمدادات إلى مقاتلي «الحزب» الموجودين في المنشأة العسكرية الواقعة تحت التلال، أو استبدالهم كما حدث سابقاً، ما دام «الحزب» يلتزم عدم الرد.
وقال المصدر إنه لا يملك معلومات دقيقة عن الموجودين داخل المنشأة العسكرية، أو عما إذا كان بينهم أعضاء في «الحرس الثوري» الإيراني. لكنه أخذ على كبار المسؤولين الإيرانيين قولهم إنهم على تواصل مع المقاتلين فيها، بالتزامن مع تأكيد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أنه يعرف أعضاء «حزب الله» فرداً فرداً. واعتبر أن ذلك يدعم اتهام خصوم «الحزب» له بأن قراره في إيران، وأنه لا يستطيع التصرف من دون العودة إلى قيادة «الحرس الثوري».
ورأى المصدر أن هؤلاء ليسوا مضطرين إلى توفير ذرائع لإسرائيل التي تتبع سياسة «القضم بالنار» للتلال ومداخلها، في ظل تزايد المخاوف من قدرتها على قطع الإمدادات عن المنشأة العسكرية. وقال إن مصير المنشأة يبقى مرتبطاً باستطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تسجل حالياً تقدم خصوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عليه في انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول المقبل. وقد يضطر نتنياهو إلى السيطرة عليها للتفوق على خصومه، مع احتفاظه باختيار التوقيت المناسب، علماً بأن واشنطن لم تمنحه حتى الآن الضوء الأخضر، ما يؤخر احتلالها في ظل اختلال ميزان القوى، فضلاً عن تحسبه لرد «الحزب» تفادياً لسقوط جنود إسرائيليين وانعكاس ذلك سلباً على حساباته الانتخابية.
ودافع مصدر وزاري عن انخراط لبنان في المفاوضات، سائلاً «حزب الله»: «ما البديل بعد تجريب الحل العسكري؟». ورأى أن «اتفاق الإطار» أدى إلى «ضبط جنوح نتنياهو في استهدافه بيروت، وضاحيتها الجنوبية، و(مطار رفيق الحريري الدولي)، وتوسعته الغارات على البقاع».
وأضاف أن «الحزب»، برفضه الاتفاق و«المناطق التجريبية» المنبثقة عنه وتمسكه بسلاحه، لم يقدم بديلاً سوى الوقوف خلف إيران والرهان على «مذكرة التفاهم» التي لا يزال تطبيقها يتأرجح تحت ضغط تبادل الحملات وأحياناً النار بين طرفيها، مع إدراكه أن لبنان لن يكون مشمولاً بالمذكرة لأن واشنطن ترفض ربط مساره التفاوضي بإيران. وتساءل المصدر: «ماذا قدّم (الحزب) من تسهيلات لتطبيقه ما دام على موقفه من رفض حصرية السلاح بيد الدولة، ويشن أعنف الحملات على عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيما يلتزم عدم الرد على الاعتداءات والخروق الإسرائيلية من دون أن يعطي أي تبرير لجمهوره سوى اتباعه سياسة (الصبر الاستراتيجي). لكن إلى متى؟».
وبحسب المصدر، يبقى تحديد موعد الجولة الثامنة بيد واشنطن، التي تربط انعقادها بتوفير ضمانات تتيح إحداث خرق يستند إليه عون في مواجهة «حزب الله» وينعش الآمال المعقودة على المفاوضات. وإلا، فلا جدوى من عقدها ما دامت امتداداً للجولة السابعة ولا تحقق أي تقدم، إلا إذا أصرت واشنطن على استمرار المفاوضات من دون الالتزام بما تعهد به الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعون في قمة واشنطن.
أخبار متعلقة :