نبض لبنان

اختفاء نصرالله

كتب صالح المشنوق في “نداء الوطن”:

لا يوجد في تاريخ لبنان، الحديث والبعيد، شخصية سياسية أساسية اختفى أثرها مباشرة بعد اغتيالها مثلما حدث مع الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله.

فبعد سنتين على اغتياله، لا نجد لنصرالله أثرًا في الفضاء العام حتى عند مناصريه. لا فيديوهات، ولا مقابلات، ولا خطابات، ولا أقوال تُردَّد، ولا كلمات تُعاد. لا لرفع المعنويات، ولا للتمسّك بالخيارات، ولا حتى للنوستالجيا. لا نسمع “كما قال السيد حسن” من أحد، بدءًا من الأمين العام الحالي نعيم قاسم وصولا إلى أصغر “تيكتوكر” على المنصات القريبة من “الحزب” ومحور الممانعة. هذا الزعيم “الأسطوري” و”التاريخي”، وكأنه حرفيًّا اختفى من الفضاء العام. والأغرب من ذلك هو أنه، نظرًا للانهيار الحاصل في صفوف بيئة “الحزب” وإعلامه، ونظرًا إلى فقدان الأمين العام الحالي للكاريزما، كان من المنطقي أن يتم “استعمال” شخص نصرالله وأقواله وخطاباته بشكل هستيري، تمامًا كما يحصل مع الآخرين.

رأينا ذلك جليًّا في الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاد الرئيس بشير الجميل، وقبلها وبعدها، بحيث تملأ أقوال بشير الشاشات المنزلية واليدوية. نراه أيضًا في الذكر الدائم لأقوال الإمام المغيّب موسى الصدر أيضًا، ولو بعد 47 عامًا على إخفائه. لكن ما حصل مع نصرالله، بعد سنتين فقط على اغتياله، على العكس من ذلك تمامًا.

لهذا “الاختفاء” دلالات أساسية ليست على الشخص وإرثه فقط، بل على المشروع السياسي والعقائدي الذي حمله نصرالله برمّته. ومن خلال هذه الدلالات يكمن سر “اختفائه”. من أشهر أقوال نصرالله، التي كان من المفترض أن تملأ العقول والقلوب بعد اغتياله، اخترت عشرة، قيلت بين عامي 2000 و2024.

“إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”

“كما كنت أعدكم بالنصر دائمًا أعدكم بالنصر مجددًا”

“المسألة مسألة وقت، اليهود نفسهم موقتين بين السبعين والثمانين سنة، نحن هلق بالـ76 تبعن”

“المشهد عندي مشهد ناس ضابي شنتها، ورايحة عالمطارات، والموانئ، والمعابر الحدودية مع مصر والأردن”

“الصف الأول سيقتلون والصف الثاني سيقتلون وعلى الصف الثالث أن يتحمل المسؤولية، أنا أنصح الصحيفة أن تكلف كاتب المقال وتصنع منه كاتب سيناريو لفيلم سينمائي خيالي”

“يخشى سكان حيفا من هجوم قاتل على حاويات الأمونيوم والتي ستؤدي إلى موت عشرات آلاف السكان، يعني لبنان يمتلك قنبلة نووية، ما في مبالغة بهالكلام أبدًا”

“لم يعد لبنان ضعيفًا تجتاحونه بالفرقة الموسيقية، بل قد يأتي اليوم الذي نجتاحكم فيه بالفرقة الموسيقية”

“بس بالشمال في مصانع كيميائية بـ31 مليار دولار، مصانع تكنولوجيا بـ76 مليار دولار… استغرق العمل لإنشائها 34 عامًا. هودي كلن بروحو بساعة وحدة، نص ساعة”

“إذا جاءت دباباتكم إلى لبنان وجنوبه لن تعانوا نقصًا في الدبابات لأنه لن تبقى لكم دبابات”

“ما يعتبره العدو تهديدًا نحن نعتبره فرصة تاريخية نتمنّاها، ونحن نتمنى أن تدخلوا برًّا؛ لأن ما تبحثون عنه من دبابات وجنود سيأتي إلينا برجليه، وسيتيح لنا فرصة تاريخية لم نكن نحلم بها”

يكفي كتابة هذه السطور، والتمعّن فيها، لكي نفهم لماذا اختفى أثر نصرالله على الحياة العامة. تُستعمل أحيانًا أقواله من قبل الخصوم (وأنا منهم) لأجل الدلالة على كمية الأوهام والخرافات التي قام عليها هذا المشروع السياسي، وللتأكيد على الحسابات الخاطئة والقاتلة التي بُنيت عليها استراتيجيات كاملة متكاملة. أهم ما في أقوال نصرالله أنه لم يكن يقول ما يقوله بغرض التعبئة الجماهيرية فقط، ولا حتى من باب الكلام الطموح، بل كان مؤمنًا حقيقيًّا بما يقول وبقدرته على تحقيقه. خليط مميت من الخلفية العقائدية المتحجّرة، والترسانة الصاروخية الهائلة، والنجاحات العسكرية في المنطقة، خصوصًا في سوريا، والانفصال عن الواقع، خصوصًا ذلك المرتبط بالتطور التكنولوجي، جعله يعتقد أنه قادر (بالحد الأدنى) على تدمير شمال إسرائيل. عندما اختلطت القوة بالغرور بالأيديولوجيا، أنتجت كمية أوهام لا تصلح اليوم إلا كمادة للسخرية، أو على الأقل كمادة للخصوم السياسيين لاستعمالها للتنمّر على “حزب الله”.

حتى داخل الماكينة الإعلامية المرتبطة بـ”حزب الله”، هناك حرص (ما) على المصداقية، ليس كهدف قائم بحد ذاته، بل كوسيلة لإبقاء الجمهور الأوسع مقتنعًا بالحد الأدنى. لذلك، مثلا، لم يعد الشيخ نعيم قاسم يتحدّث عن “انتصار”، وهي اللغة التي اتبعها بعد حرب الإسناد الأولى (“انتصار أكبر من انتصار عام 2006”!)، بل انتقل إلى لغة “الصمود” و”البقاء”. وهذا يفسّر امتناع هذه الماكينة والأدوات المرتبطة بها، عمليًّا أو معنويًّا، عن اللجوء إلى أقوال وخطابات ومقابلات السيد نصرالله لتقديم الحجج، أو رفع المعنويات، أو حتى شدّ العصب. لن تجد، مثلا، على محرّك البحث، من مناصري “الحزب”، من قام بتجميع “أبرز أقوال السيد نصرالله”.

ما كُتب أعلاه ليس بغرض التشفي أو الشماتة. جزء منه بحثي، مثير للاهتمام، ويتعلّق بإرث الزعماء السياسيين اللبنانيين. أما الجزء الثاني والأهم، فمتعلّق بالنقاش حول أهمية ما يسمى “السردية”. معركة السردية في لبنان (شبه) منتهية. انتصر طرف وهُزم الطرف الآخر. انتصار حقيقي، وليس على شاكلة انتصارات الشيخ نعيم قاسم. وليس هناك من دليل على ذلك (غير الاستطلاعات) أبلغ من دليل اختفاء السيد نصرالله من نقاشنا العام، والذي يشكّل عمليًّا اعترافًا (ولو مصلحيًّا) بالهزيمة. هذا لا يعني أن تسجيل بعض النقاط هنا أو هناك دفاعًا عن قدرة الدولة على الإنجاز لا يشكّل تقدّمًا ما. ولكنه يعني عمليًّا أن التركيز على معركة السردية كبديل عن التقدم العملاني هو “ضرب بالميت”، والضرب بالميت حرام. بالمقابل، فإن بقاءنا (كمشروع دولة) حيث نحن، من دون تقدّم، قد يعرّض سرديتنا للخطر على المدى البعيد.

في الذكرى الثانية لاغتياله اختفى نصرالله. أفكاره، طروحاته، أحلامه، سرديته. كلها أثبتت فعلا أنها “أوهن من بيت العنكبوت”.

أخبار متعلقة :