كتب سعد الياس في “القدس العربي”:
يحيي «حزب الله» اليوم الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله في أعنف غارات إسرائيلية على مقرّه تحت الأرض في الضاحية الجنوبية، ولا تبدو الذكرى مجرد استعادة لرجل غاب، بل مناسبة لطرح سؤال أكثر عمقاً: ماذا بقي من حزب الله الذي عرفه اللبنانيون في عهد نصرالله؟ وإلى أي حد استطاع «الحزب» أن يتجاوز صدمة اغتيال قائده التاريخي، وإعادة بناء صورته وقراره ودوره؟
عامان مرّا على السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2024، يوم اغتيل حسن نصرالله في الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن تداعيات ذلك اليوم لم تنتهِ. فنصرالله لم يكن مجرد أمين عام لحزب طوال أكثر من ثلاثة عقود، بل نجح في أن يصبح عنواناً شخصياً لحزب الله، وأن يحوّل إطلالاته وخطاباته إلى جزء أساسي من الحياة السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة.
كان نصرالله يعرف كيف يخاطب جمهوره، وكيف يواجه خصومه، وكيف يقدّم القرارات العسكرية والسياسية ضمن رواية متماسكة، جعلت صورته تتجاوز حدود موقعه التنظيمي. لكن «الحزب» بعد نصرالله دخل مرحلة مختلفة تماماً.
فقد جاء الشيخ نعيم قاسم إلى موقع الأمانة العامة في لحظة لم تكن تشبه أي لحظة عاشها «الحزب» في العقود السابقة. لم يرث حزباً في حالة استقرار، بل تنظيماً خرج من حرب قاسية، وخسر عدداً من قياداته العسكرية والأمنية، وتعرضت بنيته لضربات كبيرة، فيما وجد نفسه أمام ضغط متزايد حول سلاحه ودوره ومستقبل وجوده العسكري في الجنوب. علماً أن قاسم لم يكن غريباً عن «الحزب»، فهو كان نائباً لنصرالله منذ سنوات طويلة، وأحد أبرز وجوهه السياسية والإعلامية. لكنه، في المقابل، لا يملك حتى الآن الحضور الشخصي الذي ارتبط بنصرالله لدى جمهوره.
والفارق هنا ليس في الموقف العقائدي أو السياسي، فقاسم حافظ على الخط العام للحزب. الفارق في الكاريزما السياسية والقدرة على تحويل الخطاب إلى حالة شعبية عابرة للمنابر.
كان نصرالله يستطيع أن يخاطب مؤيديه وخصومه في آن واحد، وأن يجعل ظهوره حدثاً بحد ذاته. أما قاسم، فقد تولى القيادة في زمن لا يكفي فيه الخطاب وحده. لقد تغيرت البيئة التي يخاطبها، وتغيرت الأسئلة التي يواجهها، وتغيرت أيضاً صورة الحزب في لبنان والمنطقة.
فحزب الله دخل حرب الإسناد من بوابة غزة، مقدماً تدخله على أنه جزء من معركة إقليمية في مواجهة إسرائيل. لكن الحرب الطويلة ومنها حرب «إسناد طهران» انتقاماً للخامنئي تركت آثاراً عميقة عليه وعلى الجنوب ولبنان معاً. فقَدَ قيادات بارزة، وتعرضت منشآته وبنيته العسكرية لضربات قاسية، واضطر إلى خوض مرحلة إعادة تنظيم في بيئة ومرحلة مختلفة.
وسط كل ذلك، نقلت الحرب النقاش في لبنان إلى سؤال «مَن يملك قرار الحرب والسلم؟» وهو ما يؤكد عليه مراراً وتكراراً رئيس الحكومة نواف سلام وصولاً إلى طرح المسألة في كلمته قبل يومين امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
فالواقع اللبناني بعد الحرب بات أكثر ارتباطاً بمسألة حصرية السلاح بيد الدولة، وبالدور الذي يفترض أن يلعبه الجيش اللبناني في الجنوب، وبالعلاقة بين القرار اللبناني والاعتبارات الإيرانية. وقد تعثر المسار الذي كان يفترض أن يؤدي إلى نزع سلاح «الحزب» في الجنوب وتسليم السيطرة للجيش اللبناني، في ظل رفضه التخلي عن سلاحه، مقابل تمسك إسرائيل بشرط نزع سلاحه قبل الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
وبعد التطورات الأخيرة في تلة علي الطاهر التي شكلت أكثر النقاط حساسية، برز كلام إسرائيلي عن استعداد جيش الاحتلال لبدء مرحلة جديدة من القتال بعدما استكمل عملية تدمير البنية التحتية لـ«حزب الله» في منطقة الخط الأصفر. وجاء هذا الكلام بعد وقوف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منبر المنظمة الدولية، رافعاً جهاز «بيجر»، سائلاً «هل تتذكرون أجهزة البيجر؟ حزب الله بالتأكيد يتذكرها»، مع ما يحمل ذلك من رسالة واضحة قد تتخطى «حزب الله»، مفادها القدرة على اختراق البنية الأمنية والتكنولوجية للخصوم من الداخل. ولعل نتنياهو أراد أن يجعل من عملية «البيجر» ومن ثم عملية استهداف نصرالله محطة فاصلة في صورة ميزان القوة.
يبقى أنه في عهد نصرالله، كان «حزب الله» يظهر في الغالب كقوة تمتلك زمام المبادرة وتحدد توقيت المواجهة وتقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع ردع متكامل. أما اليوم، فيبدو «الحزب» أمام شبكة أكبر من الضغوط والمتغيرات من دون أن يعني ذلك أنه فقد قدرته على التأثير أو أنه أصبح بلا قرار، لكن هامش المناورة تغيّر، ولم تعد لديه القدرة ذاتها التي سمحت له طوال سنوات بأن يجمع بين القوة العسكرية والحضور السياسي والقدرة على فرض إيقاعه على الحياة السياسية في لبنان وتأليف الحكومات وفرض الرؤساء. وقد كشفت حروب الإسناد أن الترسانة العسكرية مهما كانت كبيرة لا تحسم وحدها المعركة.
ومع مرور الوقت وتأخر عودة النازحين إلى بيوتهم وقراهم في الجنوب وغياب إعادة الإعمار وربط العملية بشرط نزع السلاح، ستكون قيادة «حزب الله» أمام سيل من الأسئلة أبرزها هل تستطيع إقناع جمهورها بأن التضحيات الكبيرة التي قُدمت لم تذهب سدى؟ وهل تستطيع إقناع بقية اللبنانيين في أي حوار مرتجى بأن سلاح «الحزب» هو قادر فعلاً على الردع وبأنه للدفاع عن لبنان وليس لخدمة أجندة إيرانية؟
أخبار متعلقة :