هل تملك الدولة اللبنانية أدوات قانونية لمواجهة منظومة حزب الله؟

هل تملك الدولة اللبنانية أدوات قانونية لمواجهة منظومة حزب الله؟
هل تملك الدولة اللبنانية أدوات قانونية لمواجهة منظومة حزب الله؟

كتب ميشال فلاّح في «نداء الوطن» أن قضية «حزب الله» في لبنان لم تعد تقتصر على امتلاكه سلاحًا غير شرعي، معتبرًا أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تختزل المشكلة بصورة خطيرة. فالمسألة، بحسبه، تتعلق بمنظومة سياسية وأمنية ومالية وأيديولوجية عملت طوال عقود إلى جانب الدولة وأحيانًا فوقها، وحوّلت امتلاك القوة إلى مصدر دائم للنفوذ السياسي والاجتماعي.

ويرى فلاّح أن السؤال المطروح اليوم لا ينبغي أن يقتصر على موعد تسليم سلاح «حزب الله»، بل يجب أن يتناول كيفية تفكيك الدولة للمنظومة التي جعلت استمرار هذا السلاح ممكنًا ومحميًا سياسيًا واجتماعيًا.

وفي 2 آذار 2026، أعلن مجلس الوزراء اللبناني رفض أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج المؤسسات الشرعية، مؤكدًا أن قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد الدولة. كما حظر النشاطات الأمنية والعسكرية لـ«حزب الله»، وألزمه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

ويشير الكاتب إلى أن الأمر لا يتعلق بدعوة جديدة إلى الدولة، بل بمهمة دستورية وسيادية أعلنت الحكومة التزامها بها، غير أن القرار السياسي يحتاج إلى أدوات قانونية.

الدرس الأميركي: الإرهاب لا يُواجه بالسلاح وحده

بعد هجمات 11 أيلول 2001، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتعقب منفذي الهجمات. ففي 26 تشرين الأول من العام نفسه، أُقرّ قانون USA PATRIOT Act، الذي وسّع أدوات الدولة في التحقيق والمراقبة وتبادل المعلومات وملاحقة الجرائم المرتبطة بالإرهاب وتمويله.

وتؤكد وزارة العدل الأميركية أن القانون ساعد أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات على تحديد مخططات إرهابية وتعطيلها، فيما أُعيدت بعض صلاحياته لاحقًا مع تعديلات وضمانات إضافية.

ولا يعني ذلك أن على لبنان نسخ التشريع الأميركي حرفيًا، خصوصًا أن الولايات المتحدة شهدت نقاشًا واسعًا بشأن الحريات والخصوصية وحدود صلاحيات الدولة. لكن الدرس الأساسي هو أن الدولة، عندما تواجه تنظيمًا يتجاوز الجريمة التقليدية، تحتاج إلى منظومة قانونية لا تلاحق الفعل المسلح فحسب، بل تستهدف أيضًا التمويل والتسهيل والتنظيم والدعم المادي والشبكات التي تتيح استمرار التنظيم. وهذا ما يحتاجه لبنان، وفق فلاّح.

النموذج الكندي: القانون لا يلاحق المنفذ وحده

بعد 11 أيلول أيضًا، اعتمدت كندا قانون Bill C-36 – Anti-terrorism Act، الذي حصل على الموافقة الملكية في 18 كانون الأول 2001. ولم يقتصر القانون على تعريف الجرائم الإرهابية، بل تناول تمويل الإرهاب، وإدراج الكيانات، وتجميد الأموال ومصادرتها، وتجريم المشاركة والتسهيل والتوجيه والإيواء في سياقات محددة.

كما طرحت كندا في السياق نفسه Bill C-42 – Public Safety Act لتعزيز أدوات الأمن العام وتعديل عدد من القوانين، ولا سيما في مجالات أمن الطيران وتبادل المعلومات ومكافحة غسل الأموال. إلا أن مشروع C-42 لم يستكمل مساره، واستُبدلت بعض مكوناته بتشريعات لاحقة بعد انتقادات ومراجعات برلمانية.

ويخلص الكاتب إلى أن هذه التجربة تحمل نقطة مهمة للبنان، وهي أن التشريع الأمني الجيد لا يتمثل في قانون واحد ضخم، بل في منظومة قوانين مترابطة.

لماذا لا يكفي نزع السلاح؟

يعتبر فلاّح أن السلاح نتيجة وليس كل المشكلة. فإذا وُجدت بنية تنظيمية تمتلك موارد مالية وشبكات اجتماعية ومؤسسات موازية وقدرة على التجنيد والتعبئة والتأثير السياسي، فإن معالجة السلاح وحده قد تترك أجزاء أساسية من المنظومة قائمة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها.

لذلك، يحتاج لبنان إلى تشريع يرسم حدًا فاصلًا بين العمل السياسي المشروع وبين تحول التنظيم السياسي إلى بنية أمنية أو مالية أو أيديولوجية تعمل ضد مبدأ الدولة. ولا يعني ذلك تجريم المذهب أو الرأي أو الناخب، فالدولة الدستورية لا تعاقب المواطن بسبب تبنيه فكرًا سياسيًا معينًا.

لكن الدولة تستطيع، بل يجب عليها، أن تجرّم الأفعال التي تتحول فيها الأيديولوجيا إلى تحريض على العنف أو تجنيد أو تمويل لتنظيم مسلح أو إنشاء بنية أمنية موازية أو تقديم دعم مادي لنشاط محظور. وهنا، بحسب الكاتب، ينبغي أن يكون التشريع اللبناني أكثر وضوحًا مما كان عليه في الماضي.

من المال إلى الخطاب: المعركة على البيئة القانونية للحزب

لا تستطيع الدولة إعلان حصرية السلاح، ثم السماح ببقاء قنوات تمويل غير شفافة أو مؤسسات تُستخدم لتغطية نشاط غير مشروع أو شبكات تسهّل الالتفاف على العقوبات والقوانين المالية، أو أي بنية تنظيمية تؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج قوة موازية للدولة.

ويرى فلاّح أن أي تشريع جديد يجب أن يتضمن ما يأتي:

  • تعريفًا دقيقًا للنشاط العسكري والأمني غير الشرعي وتجريمه.
  • تشديد العقوبات على تمويل التنظيمات المسلحة أو تقديم الدعم المادي واللوجستي لها.
  • تطوير قواعد تجميد ومصادرة الأموال المرتبطة بالنشاط غير المشروع، مع رقابة قضائية فعالة.
  • تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والقضاء والجهات المالية لتتبع شبكات التمويل وغسل الأموال.
  • وضع قواعد أكثر صرامة على الجمعيات والمؤسسات التي تُستخدم واجهات لتمويل نشاط محظور، من دون تحويل الرقابة إلى أداة لقمع المجتمع المدني.
  • مواجهة التحريض والتجنيد والترويج للعنف السياسي، مع إبقاء النقد السياسي والرأي والمعتقدات الدينية والفكرية المشروعة خارج نطاق التجريم.

ويؤكد أن الأمر لا يتعلق بـ«حرب على الفكر» أو بإسكات الناس، بل بمعركة قانونية ضد تحويل الفكر إلى بنية عنيفة خارجة عن الدولة.

المرجعية الدولية موجودة أصلًا

لا يحتاج لبنان إلى اختراع شرعية جديدة لهذه السياسة. فالقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن في 2 أيلول 2004 دعا إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي، وإلى حل ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية.

ثم جاء القرار 1701 عام 2006 ليؤكد ضرورة ألا تكون في المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني أي أسلحة أو أفراد مسلحين خارج الدولة اللبنانية واليونيفيل ضمن حدود التفويض، كما أعاد مجلس الأمن التأكيد على نزع سلاح الميليشيات والجماعات المسلحة في لبنان.

وبالتالي، فإن حصرية السلاح والقرار الأمني ليستا مطلبًا طارئًا فرضته الظروف الحالية، بل جزء من مسار دولي طويل مرتبط مباشرة بسيادة لبنان.

المشكلة الآن في التنفيذ

تجعل التطورات الحالية المسألة أكثر إلحاحًا. فالترتيبات التي جرى التفاوض عليها في 2026 ربطت الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق في جنوب لبنان بعملية نزع سلاح «حزب الله» والتحقق منها، في وقت بقي «الحزب» رافضًا لمسار نزع السلاح، واستمرت المفاوضات بشأن آليات التحقق والتنفيذ.

وهنا، وفق الكاتب، تقع المسؤولية التاريخية على الدولة اللبنانية. فإذا ظل تطبيق القانون رهينة التوافق مع الحزب، أصبح معنى الدولة فارغًا. وإذا أعلنت الدولة أن نشاطًا أمنيًا وعسكريًا معينًا «خارج عن القانون»، ثم عجزت عن تطبيق قانونها، فإن المشكلة لا تعود محصورة في النص القانوني، بل تطال هيبة الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون.

ولا يحتاج لبنان إلى نسخة لبنانية من «Patriot Act» أو إلى استيراد التجربة الكندية كما هي، بل إلى قانون سيادة لبناني حديث يستند إلى الدستور والقانون الجنائي والالتزامات الدولية، ويجمع بين مكافحة الإرهاب وتمويله، وتجفيف شبكات الدعم المادي، وملاحقة النشاط الأمني الموازي، وحماية المؤسسات الدستورية، ومنع أي تنظيم من امتلاك أدوات دولة خارج الدولة.

والأهم، بحسب فلاّح، أن يكون القانون واحدًا على الجميع: فلا حصانة لحزب لأنه يملك كتلة نيابية، ولا لمسؤول بسبب انتمائه إلى طائفة، ولا لمؤسسة لأنها تعمل تحت غطاء اجتماعي، ولا للمال السياسي إذا تحول إلى تمويل لنشاط غير مشروع.

ويخلص الكاتب إلى أن لبنان لا يتحرر فقط عندما تدخل البنادق إلى مستودعات الجيش، بل عندما يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة، والمال خاضعًا للقانون، والأمن في عهدة المؤسسات، والخطاب السياسي منفصلًا عن التحريض والعنف، ويصبح القضاء قادرًا على الوصول إلى كل شبكة مهما كان اسمها أو نفوذها.

ويطرح فلاّح السؤال: إذا كانت الدولة اللبنانية قد أعلنت أن السلاح خارج مؤسساتها غير شرعي، فهل ستسنّ القوانين التي تمنع إعادة إنتاج المنظومة التي حملت ذلك السلاح، وهل ستملك الجرأة على تطبيقها؟ ويقول إن الدولة التي لا تستطيع فرض قانونها على من يملك القوة ليست دولة كاملة السيادة، مضيفًا أن السيادة لا تُفاوض.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى