فرضت الحرب الموسعة التي اندلعت بقصف إسرائيلي واسع في 23 أيلول 2024، وما رافقها من مواجهات وتحولات ميدانية، واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما طالت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية وخطوط إمداده ونفوذه السياسي، فيما تبدلت جغرافيا انتشاره ومساحات عمله مقارنة بما قبل الحرب، وفق ما جاء في «الشرق الأوسط».
وبعد عامين، يواجه الحزب معادلة عسكرية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها خسارة جزء كبير من بنيته القيادية مع تراجع قدراته الصاروخية وقدراته على تشغيل المسيّرات، وانحسار خطوط الإمداد عبر سوريا. لكنه، في المقابل، لا يزال يمتلك إمكانات عسكرية تتيح له مواصلة العمل ومحاولة إعادة تنظيم صفوفه وبناء جاهزية تتلاءم مع واقع ميداني مختلف، يمتد من شمال الليطاني إلى مناطق أوسع في الجنوب والبقاع الغربي.
تراجع يتجاوز النصف
قال الخبير في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن قدرات حزب الله شهدت تراجعاً كبيراً بين عام 2024 واليوم، على مستوى القيادة والبنية العسكرية والنفوذ السياسي وخطوط الإمداد، مقدّراً أن حجم هذا التراجع «تجاوز النصف تقريباً».
وأوضح قهوجي أن الحزب خسر الجزء الأكبر من قيادات الصفين الأول والثاني، فيما كانت معظم القيادات الموجودة اليوم تُصنّف ضمن الصف الثالث عام 2024. ولفت إلى تبدل طبيعة الإدارة داخل الحزب، قائلاً إنها «كانت الإدارة في عام 2024 محلية بتوجيه إيراني، أما اليوم فأصبحت الإدارة والتوجيه إيرانيين بصورة مباشرة».
وعلى الصعيد العسكري، قال قهوجي إن «قوات الحزب أصبحت متمركزة إلى شمال الليطاني، بعدما كانت موجودة سابقاً على الحدود المباشرة»، مضيفاً أن «النبطية أصبحت عملياً خط التماس الفاصل بين وجود الحزب والقوات الإسرائيلية».
وفي ما يخص الترسانة العسكرية، أكد أن «القدرات الصاروخية وقدرات المسيّرات لا تزال موجودة، لكنها أصبحت أقل بأكثر من النصف مقارنة بما كانت عليه سابقاً». كما أشار إلى أن «نفوذ حزب الله السياسي داخل لبنان تراجع كثيراً، ولم يعد بالمستوى الذي كان عليه سابقاً»، معتبراً أن «تراجع خطوط إمداده عبر سوريا، وانقطاعها إلى حد كبير» من أبرز التحولات التي طرأت على وضع الحزب.
تراجع في الإمكانات مع بقاء القدرة على الاستمرار
وفي قراءة لمسار الحزب منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 وصولاً إلى المرحلة الحالية، قال العميد المتقاعد خليل الحلو لـ«الشرق الأوسط» إن وضع «حزب الله» العسكري بعد عامين على حرب 2024 يظهر أنه «تراجع في إمكاناته مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، لكنه لم يفقد قدرته العسكرية، ولا يزال يمتلك إمكانات تسمح له بالاستمرار».
ورأى الحلو أن محدودية ردود الحزب على إسرائيل خلال المرحلة الحالية قد تكون مؤشراً إلى دخوله مجدداً في «مرحلة إعادة تنظيم، وإعادة بناء للجاهزية القتالية على ضوء المعطيات الجديدة».
وأوضح أن المرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 اتسمت بـ«استمرار الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت كوادر في حزب الله، في مقابل امتناع الحزب إلى حد كبير عن الرد». واعتبر أن ذلك يدل، من جهة، على تراجع إمكاناته مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2024، ومن جهة ثانية، على مروره بمرحلة إعادة تنظيم وإعادة تسليح واستعادة للجاهزية القتالية.
وأضاف: «خلال تلك الفترة كان الحزب يحافظ على الهدوء، ولا يرد على إسرائيل، ما سمح له بالعمل على إعادة تنظيم بنيته. وحتى المعلومات التي كانت تتداول من داخل بيئته كانت تشير إلى أن بعض الكوادر المعروفة سابقاً جرى استبدال بكوادر جديدة بها، في محاولة لعدم كشف شكل التنظيم الجديد من خلال أي عمليات عسكرية».
تبدل المشهد الميداني
وقال الحلو إن المشهد تبدل مع اندلاع الحرب الأميركية على إيران في نهاية شباط، ودخول حزب الله في المواجهة ابتداءً من مطلع آذار. وأضاف: «منذ ذلك الوقت وحتى وقف إطلاق النار الثاني في 17 حزيران، دخل الحزب في المعركة، وكان يرد في بعض المناطق بفعالية، وينفذ عمليات، ويطلق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي، والمناطق التي كانت إسرائيل قد احتلتها».
وأشار إلى أن إسرائيل، خلال تلك المرحلة، «تقدمت، وتوغلت، وفرضت وجودها على الأرض»، في وقت واصل الحزب تنفيذ ردود عسكرية، إلا أن الوضع عاد بعد وقف إطلاق النار الأخير إلى نمط قريب من المرحلة التي أعقبت تشرين الثاني 2024.
وقال الحلو: «اليوم عدنا تقريباً إلى المرحلة السابقة، إذ إن ردود حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية أصبحت شبه معدومة. وإذا أجرينا جردة للعمليات خلال الشهرين الأخيرين ونصف الشهر، منذ وقف إطلاق النار، نجد أن العمليات العسكرية التي نفذها الحزب ضد إسرائيل قليلة جداً، ويمكن عدّها على أصابع اليدين، في مقابل عشرات العمليات الإسرائيلية اليومية بين غارات جوية، وقصف، واغتيالات».
جغرافيا مختلفة وخطط جديدة
رأى الحلو أن «الحزب أصبح أضعف، خصوصاً بعد الخسائر التي تعرض لها، لكنه لا يزال يتمتع بإمكانات تسمح له بالاستمرار». وأضاف أن عدم رده في هذه المرحلة يعيد إلى استنتاج مشابه لما حدث في الفترة السابقة، أي إنه قد يكون في مرحلة إعادة تنظيم وبناء جاهزية قتالية جديدة استناداً إلى المعطيات الميدانية المتغيرة.
وأوضح أن هذه المعطيات تفرض على الحزب إعادة النظر في طبيعة انتشاره وخططه القتالية، قائلاً: «إذا أراد القتال اليوم، فهو أمام ساحات مختلفة، من النبطية إلى جزين، وربما البقاع الغربي، وهذا يعني أن عليه أن يبني خططه على جغرافيا وواقع ميداني جديدين».
وخلص الحلو إلى أن «الصورة العسكرية الحالية لحزب الله تختصر في تراجع قدراته مقارنة بما قبل حرب 2024، مع بقائه قادراً على الاستمرار، في مقابل دخوله، على الأرجح، في مرحلة جديدة من إعادة التنظيم، واستعادة الجهوزية القتالية بما يتلاءم مع التحولات الميدانية التي فرضتها الحرب».