كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
على الرغم من الزخم العربي والدولي، وتحديدًا الأميركي، الذي أعاد القضية اللبنانية إلى سلم الأولويات، تبدو مسارات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية، أمام مرحلة من الترقب والجمود، بفعل عاملين انتخابيين أساسيين يفرضان إيقاعهما على المشهد الإقليمي ويحدّان من قدرة الأطراف المعنية على تحقيق اختراقات سريعة في الملفات المدرجة ضمن صيغة الإطار. فالمسألة اللبنانية، وإن كانت تحظى باهتمام سياسي ودبلوماسي متزايد، لا تتحرك في فراغ، بل تتأثر مباشرة بحسابات داخلية إسرائيلية وأميركية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الملف اللبناني نفسه.
العامل الأول يتمثل في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث يحتدم الصراع الانتخابي بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وتحالفات منافسيه، وفي مقدمها التحالف المرتبط بغادي آيزنكوت، وسط منافسة سياسية شديدة تجعل هامش المناورة أمام نتنياهو أكثر ارتباطًا بحساباته الانتخابية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب توقع خطوات إسرائيلية كبيرة يمكن أن تُفسَّر داخليًا على أنها تنازل سياسي، فيما يميل الخطاب الانتخابي إلى التشدد ورفع سقف المواقف الأمنية. ومن هنا، فإن ما هو مدرج في صيغة الإطار قد يواجه تباطؤًا أو عرقلة، لا بسبب سقوط التفاوض من جدول الأعمال، وإنما نتيجة ارتباط القرار الإسرائيلي بحسابات المعركة الانتخابية ونتائجها.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالانتخابات النصفية الأميركية وما يسبقها من إعادة ترتيب للأولويات في واشنطن، حيث يبدو الملف الإيراني مرشحًا للتقدم إلى الواجهة بوصفه قضية ذات وزن استراتيجي مباشر بالنسبة إلى الإدارة الأميركية. وبذلك، قد تتراجع القدرة على إعطاء الملف اللبناني زخمًا سياسيًا متواصلا خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا دخلت العلاقة الأميركية ـ الإيرانية في مسار تفاوضي جديد يقود إلى تسوية، أو إذا اتجهت الأمور في الاتجاه المعاكس نحو مواجهة جديدة. وفي الحالتين، يصبح لبنان جزءًا من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الملف اللبناني دخل عمليًا في فترة من الجمود قد تمتد شهرين، في انتظار اتضاح نتائج الاستحقاقين الإسرائيلي والأميركي. وفي هذه المرحلة، تبدو الأولوية لدى الوسطاء والجهات المعنية منصبة على منع الانزلاق إلى تصعيد واسع، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. إلا أن المخاوف لا تتعلق فقط بتعطيل المسار السياسي، بل أيضًا باحتمال لجوء نتنياهو، تحت ضغط المنافسة الانتخابية، إلى توسيع دائرة الاعتداءات على لبنان، بما يرفع منسوب التوتر ويزيد صعوبة العودة إلى مسار تفاوضي هادئ.
ولا يستبعد، في المقابل، أن يمتد الجمود إلى شهرين إضافيين بعد الانتخابات الإسرائيلية، أي إلى مطلع الربيع المقبل، تبعًا للنتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع. فإذا لم يتمكن أي طرف من حسم الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة، فإن مفاوضات تشكيلها قد تستغرق وقتًا إضافيًا، ما يعني استمرار مرحلة الانتظار وتأجيل القرارات الكبرى المرتبطة بالملف اللبناني.
وفي موازاة الانتظار الخارجي، تتجه النصائح التي تصل إلى لبنان من أشقاء وأصدقاء إلى وجوب إعطاء الأولوية للداخل، عبر انكباب السلطات الدستورية على معالجة القضايا الخدماتية والاجتماعية والاقتصادية الملحّة، بما يخفف الاحتقان ويخلق مساحة من الهدوء السياسي. فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط انتظار ما ستنتجه الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، بل استثمار فترة الجمود في ترتيب البيت الداخلي ومعالجة الملفات الأساسية، تمهيدًا لإطلاق نقاش سياسي لبناني أوسع حول القضايا التي لا يمكن أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية. وبذلك، قد تتحول فترة الانتظار، رغم صعوبتها، إلى فرصة لإعادة بناء قدر من التماسك الداخلي قبل اتضاح اتجاهات المرحلة الإقليمية المقبلة.