“التحفظات التفسيرية”… هل تجاوز المجلس الدستوري حدود صلاحياته؟

“التحفظات التفسيرية”… هل تجاوز المجلس الدستوري حدود صلاحياته؟
“التحفظات التفسيرية”… هل تجاوز المجلس الدستوري حدود صلاحياته؟

كتب القاضي محمد مرعي صعب في نداء الوطن:

أثار قرار المجلس الدستوري الأخير المتعلق بقانون العفو العام جدلا قانونيًا واسعًا، ولا سيما لجهة التفسيرات التي أوردها المجلس في قراره تحت مسمى “التحفظات التفسيرية”، والتي اعتبر أنها ملزمة للجميع.

وقد انقسمت الآراء بشأن هذه المسألة بين اتجاه يرى أن المجلس الدستوري تجاوز حدود صلاحياته عندما أعطى تفسيرات ملزمة للنصوص القانونية، معتبرًا أن ذلك يشكل تعديًا على صلاحية مجلس النواب في التشريع، وعلى صلاحية القضاء العادي في تفسير القوانين وتطبيقها، واتجاه آخر يرى أن تفسير النصوص القانونية يدخل ضمن صلاحيات المجلس الدستوري، وأن التفسيرات التي يعتمدها في قراراته تتمتع بالقوة الإلزامية.

وأمام هذا الانقسام، لا بد من إبداء جملة من الملاحظات القانونية التي من شأنها إزالة الالتباس الحاصل، وتحديد طبيعة الصلاحية التي يمارسها المجلس الدستوري في هذا المجال، والضوابط التي تحكم ممارستها.

أولا: المهمة الأساسية للمجلس الدستوري هي التحقق من دستورية القوانين وليس تفسيرها

من المتفق عليه أن المهمة الأساسية للمجلس الدستوري، عند نظره في الطعن المقدم أمامه بشأن دستورية قانون معين، تتمثل في التحقق من مدى توافق أحكام هذا القانون مع أحكام الدستور.

فموضوع الطعن الدستوري ينحصر في مسألة محددة، هي معرفة ما إذا كان القانون المطعون فيه يتعارض مع الدستور أم يتوافق معه. وتبعًا لذلك، فإن الغاية النهائية من نظر المجلس الدستوري في الطعن هي الوصول إلى إحدى نتيجتين: إما إبطال النص القانوني لمخالفته الدستور، وإما الإبقاء عليه لثبوت توافقه مع أحكامه.

وعليه، فإن المجلس الدستوري ليس جهة أُنيطت بها مهمة تفسير القوانين لذاتها، وإنما جهة أُنيطت بها مهمة الرقابة على دستوريتها. وهذا التمييز يشكل نقطة الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة الصلاحيات التي يمارسها المجلس وحدودها.

ثانيًا: التفسير وسيلة للتحقق من الدستورية وليس غاية قائمة بذاتها

لا خلاف في أن المجلس الدستوري قد يحتاج، أثناء ممارسته الرقابة على دستورية القوانين، إلى الاستعانة بجملة من الوسائل والأدوات القانونية التي تمكنه من إنجاز المهمة الموكلة إليه. ومن بين هذه الوسائل تفسير النص القانوني المطعون في دستوريته.

غير أن الإقرار بحق المجلس الدستوري في اللجوء إلى التفسير لا يعني أن تفسير القوانين يشكل مهمة مستقلة قائمة بذاتها، بل يعني أن التفسير قد يكون وسيلة ضرورية يلجأ إليها المجلس عندما يتعذر عليه التحقق من دستورية النص من دون الوقوف أولا على معناه الحقيقي. وبعبارة أخرى، فإن التفسير بالنسبة إلى المجلس الدستوري هو وسيلة وليس غاية، أما الغاية فهي التحقق من دستورية القانون.

ومن هنا، فإن مشروعية لجوء المجلس الدستوري إلى تفسير النصوص القانونية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالغاية التي من أجلها مُنح صلاحية الرقابة على دستوريتها. فلا يجوز أن يتحول التفسير من وسيلة مساعدة على ممارسة هذه الرقابة إلى مهمة مستقلة يمارسها المجلس بمعزل عن مقتضياتها.

ثالثًا: ممارسة المجلس الدستوري لصلاحية التفسير محكومة بضوابط قانونية

إن إقرار حق المجلس الدستوري في تفسير النصوص القانونية المطعون في دستوريتها لا يعني إطلاق يده في ممارسة هذه الصلاحية، وإنما يقتضي إخضاعها لجملة من الضوابط القانونية التي تحكم عملية التفسير، سواء مارسها القاضي الدستوري أم غيره من القضاة.

1- أن يكون النص القانوني غامضًا ويحتاج إلى تفسير

إن أول الضوابط التي تحكم لجوء المجلس الدستوري إلى التفسير يتمثل في أن يكون النص القانوني المطعون في دستوريته غامضًا أو قابلا للتأويل، بحيث يتعذر الوقوف على معناه الحقيقي من دون تفسيره.

ذلك أن ثمة قاعدة قانونية وفقهية مستقرة مفادها أنه “لا اجتهاد في معرض النص الصريح”.

ولما كان التفسير شكلا من أشكال الاجتهاد، فإن اللجوء إليه لا يكون مبررًا عندما يكون النص واضحًا وصريحًا ولا يحتمل التأويل.

وهذه القاعدة لا تقتصر على القضاء العادي، بل تسري أيضًا على القضاء الدستوري، باعتبار أن عملية تفسير النصوص القانونية تخضع لأصول وقواعد عامة يتعين على جميع الجهات القضائية احترامها.

وعليه، لا يكون من مبرر للجوء المجلس الدستوري إلى تفسير النص القانوني إلا عندما يشوبه غموض يحول دون التحقق من مدى توافقه مع أحكام الدستور.

2- التقيد بالقواعد والأصول القانونية التي ترعى تفسير النصوص

إن تفسير النصوص القانونية ليس عملية تقديرية مطلقة تخضع لقناعات القاضي الشخصية أو أهوائه، وإنما هو عملية قانونية لها أصولها وقواعدها التي يتعين التقيد بها.

وهذه القواعد مستمدة من النصوص التشريعية والمبادئ القانونية العامة وما استقر عليه الفقه والاجتهاد، وقد كُرّس بعضها في قانون أصول المحاكمات المدنية.

ولا يختلف الأمر في هذا المجال بين القاضي الدستوري وبين غيره من القضاة، فكلاهما ملزم باحترام القواعد العامة التي ترعى تفسير النصوص القانونية.

فصفة الجهة التي تمارس التفسير لا تمنحها الحق في التحرر من أصوله، ولا تجعل تفسيرها مشروعًا لمجرد صدوره عنها.

وبالتالي، فإن التفسير الذي يعتمده المجلس الدستوري يجب أن يكون ثمرة تطبيق القواعد القانونية المعتمدة في التفسير، لا نتيجة رغبة مسبقة في الوصول إلى معنى معين للنص.

3- تحري نية المشترع وليس إحلال إرادة القاضي محلها

من أبرز القواعد التي تحكم عملية تفسير النصوص القانونية وجوب تحري نية المشترع، باعتبار أن الغاية من التفسير هي الكشف عن المعنى الذي قصده المشترع عند وضع النص.

فالقاضي، سواء كان دستوريًا أم عدليًا، لا يفسر النص وفقًا لما كان يفضل أن ينص عليه المشترع، وإنما يسعى إلى تحديد ما أراده المشترع فعلا.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الكشف عن إرادة المشترع وإحلال إرادة القاضي محلها.

فالتفسير الذي ينطلق من نية القاضي، بدلا من نية المشترع، لا يعود تفسيرًا للنص القانوني بقدر ما يصبح إعادة صياغة لمضمونه وفقًا لإرادة الجهة التي تتولى تفسيره.

وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة عندما يكون التفسير صادرًا عن المجلس الدستوري، لأن المجلس، في معرض رقابته على دستورية القوانين، لا يملك صلاحية تعديل الخيارات التشريعية التي اعتمدها مجلس النواب، وإنما تنحصر مهمته في التحقق من مدى توافق تلك الخيارات مع أحكام الدستور.

رابعًا: الفارق الجوهري بين التحقق من دستورية القانون وبين جعله دستوريًا

لعل أهم ضابط يحكم ممارسة المجلس الدستوري لصلاحية التفسير يتمثل في ضرورة التمييز بين غايتين مختلفتين تمامًا: التحقق من دستورية القانون من جهة، وجعل القانون دستوريًا من جهة أخرى.

فالمجلس الدستوري لم يُنشأ من أجل جعل القوانين الصادرة عن مجلس النواب متوافقة مع أحكام الدستور، وإنما أُنشئ من أجل التحقق مما إذا كانت هذه القوانين متوافقة معه بالفعل. وهذا الفارق ليس مجرد تمييز لغوي أو نظري، بل تترتب عليه نتائج قانونية بالغة الأهمية. فعندما يكون النص القانوني غامضًا ويحتاج إلى تفسير، يتعين على المجلس الدستوري أن يبدأ بتحري نية المشترع، وأن يطبق القواعد القانونية المعتمدة في التفسير، وصولا إلى تحديد المعنى الحقيقي للنص. وبعد تحديد هذا المعنى، ينتقل المجلس إلى المرحلة التالية، وهي إخضاع النص، وفقًا للتفسير الذي انتهى إليه، لاختبار الدستورية. فإذا تبين له أن النص، بمعناه الحقيقي، يتوافق مع أحكام الدستور، قضى بدستوريته. أما إذا تبين له أنه يتعارض معها، تعين عليه إبطاله.

أما أن ينطلق المجلس الدستوري من غاية مسبقة تتمثل في الإبقاء على النص القانوني، ثم يبحث عن تفسير يجعله متوافقًا مع أحكام الدستور، فإن ذلك يشكل خروجًا عن طبيعة المهمة الموكلة إليه. ذلك أن المجلس يكون، في هذه الحالة، قد انتقل من موقع الجهة التي تتحقق من دستورية القوانين إلى موقع الجهة التي تعمل على جعلها دستورية.

وبذلك لا يعود التفسير وسيلة للكشف عن المعنى الحقيقي للنص، وإنما يتحول إلى أداة لتعديل مضمونه بصورة غير مباشرة، وصولا إلى نتيجة لم يكن النص، وفقًا لإرادة المشترع، يؤدي إليها بالضرورة.

وهذا ما يتعارض مع طبيعة الرقابة الدستورية، التي تفترض إخضاع إرادة المشترع لأحكام الدستور، لا استبدال تلك الإرادة بإرادة أخرى تجعل النص متوافقًا مع الدستور.

خامسًا: القوة الإلزامية للتحفظات التفسيرية وحدودها

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الخلاف بشأن حق المجلس الدستوري في إصدار تفسيرات ملزمة لا ينبغي أن ينصب على مبدأ التفسير بحد ذاته، وإنما على الغاية التي استُخدم من أجلها التفسير، والضوابط التي رعت ممارسته.

فمن حيث المبدأ، لا يمكن إنكار حق المجلس الدستوري في تفسير النصوص القانونية المطعون في دستوريتها عندما يكون هذا التفسير ضروريًا للتحقق من مدى توافقها مع أحكام الدستور.

غير أن ممارسة هذا الحق يجب أن تبقى محكومة بالضوابط المشار إليها، وفي مقدمتها وجود غموض في النص، والتقيد بقواعد التفسير، وتحري نية المشترع، وحصر الغاية من التفسير في التحقق من دستورية القانون.

وعندما يلتزم المجلس الدستوري بهذه الضوابط، ويخلص إلى تفسير للنص القانوني ثم يبني عليه قراره بشأن دستوريته، فإن التفسير المعتمد في هذه الحالة يتمتع بالقوة الإلزامية المرتبطة بالقرار الدستوري.

أما عندما يتجاوز المجلس هذه الضوابط، ويعتمد تفسيرًا لا يستهدف الكشف عن المعنى الحقيقي للنص، وإنما يرمي إلى جعله متوافقًا مع الدستور، فإنه يكون قد خرج عن حدود المهمة الموكلة إليه.

وفي هذه الحالة، لا يمكن إضفاء القوة الإلزامية على التفسير لمجرد أن المجلس الدستوري وصفه بأنه “تحفظ تفسيري ملزم”، لأن القوة الإلزامية للتفسير تفترض أن يكون صادرًا في نطاق الصلاحية التي يمارسها المجلس، ووفقًا للضوابط القانونية التي تحكمها.

فليس من شأن تسمية التفسير “تحفظًا تفسيريًا” أن تمنحه مشروعية يفتقر إليها، كما لا يجوز أن تتحول القوة الإلزامية لقرارات المجلس الدستوري إلى وسيلة لتوسيع صلاحياته خارج الحدود المرسومة لها.

خلاصة

إن الإشكالية التي أثارها قرار المجلس الدستوري الأخير بشأن قانون العفو العام لا يمكن حسمها بمجرد القول إن المجلس يملك صلاحية تفسير القوانين أو إنه لا يملك هذه الصلاحية.

فالمسألة أكثر دقة من ذلك.

إذ إن المجلس الدستوري يملك، في معرض ممارسته الرقابة على دستورية القوانين، حق اللجوء إلى تفسير النصوص القانونية المطعون فيها، ولكن هذا الحق ليس صلاحية مستقلة يمارسها لذاتها، وإنما وسيلة يلجأ إليها عند الضرورة من أجل إنجاز مهمته الأساسية المتمثلة في التحقق من دستورية القوانين.

وهذه الوسيلة تبقى محكومة بضوابط قانونية يتعين احترامها، وفي مقدمتها أن يكون النص غامضًا، وأن يجري تفسيره وفقًا للقواعد القانونية المعتمدة، وبما ينسجم مع نية المشترع لا مع إرادة الجهة التي تتولى تفسيره.

وبعد تحديد المعنى الحقيقي للنص، تكون مهمة المجلس الدستوري إخضاعه لاختبار الدستورية، لا البحث عن تفسير بديل يجعله متوافقًا مع أحكام الدستور.

فالمجلس الدستوري هو حارس الدستور، وليس مصححًا للخيارات التشريعية التي يعتمدها مجلس النواب. ومهمته أن يتحقق مما إذا كانت القوانين دستورية، لا أن يجعلها كذلك.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى