كتب سعد الياس في القدس العربي:
عندما يعلن أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم أن «لا مجال للنقاش في سلاح المقاومة»، فهو لا يكتفي بتجديد رفضه تسليم السلاح، بل يضع الدولة اللبنانية برمتها أمام معادلة بالغة الخطورة، بأن هناك فريقاً يعتبر أن امتلاك القوة المسلحة خارج المؤسسات الشرعية حق لا يخضع للنقاش، فيما يُفترض أن تكون الدولة والدستور والقانون المرجعية التي يحتكم إليها جميع اللبنانيين.
وأخطر ما في كلام قاسم ليس رفضه البحث في مصير السلاح فحسب، بل محاولة تحويل هذا الرفض إلى قاعدة سياسية ثابتة، وكأن اللبنانيين مطالبون بالتعايش إلى أجل غير مسمى مع واقع تتقدم فيه إرادة «حزب الله» على إرادة المؤسسات الدستورية، وتصبح فيه السيادة مسألة قابلة للتجزئة، بحسب ما تقتضيه حسابات «الحزب» ومحوره الإقليمي.
أما استناد نعيم قاسم إلى اتفاق الطائف للقول إن المقاومة تستمد شرعيتها منه، فيستدعي التوقف عند هذه القراءة التي تحاول تحويل مرحلة تاريخية محددة إلى تفويض دائم بالاحتفاظ بسلاح خارج سلطة الدولة. فاتفاق الطائف، الذي وضع الأسس لإنهاء الحرب اللبنانية وإعادة بناء الدولة، نصّ على بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعلى حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة خلال مهلة محددة.
ومن هنا، فإن تقديم الاتفاق بوصفه سنداً دستورياً دائماً لوجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة يتجاهل جوهر التسوية التي قامت على إنهاء الحرب الأهلية واستعادة سلطة المؤسسات الشرعية، ويحاول تحويل المقاومة إلى حق أبدي غير قابل للمراجعة.
فليس في اتفاق الطائف ما يمنح أي حزب تفويضاً دائماً لامتلاك جيش موازٍ للجيش اللبناني، أو حقاً حصرياً في تحديد متى تنتهي الحاجة إلى سلاحه. وإذا كان «الحزب» يعتبر أن إسرائيل لا تزال تشكل تهديداً للبنان، فإن السؤال المنطقي هو: هل تكون مواجهة هذا التهديد عبر تقوية الدولة والجيش وتحصين الحدود وتوحيد القرار الوطني، أم عبر الإبقاء على معادلة تجعل لبنان ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل وهو ما يرفضه معظم اللبنانيين الذين تعبوا من الحروب المتكررة؟
ولعل ما لا يقل خطورة عن تمسك الشيخ نعيم بسلاحه ورفض إخضاعه للنقاش، هو عدم وجود أي ضمانات بعدم الانخراط بحرب جديدة في حال تجدد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى. وهذا السؤال ليس افتراضاً سياسياً بعيداً عن الواقع، بل يستند إلى تجربة لبنانية مريرة، حين وجد لبنان نفسه في آذار 2026 مجدداً في قلب مواجهة إقليمية، بعدما أطلق «حزب الله» ستة صواريخ فاتحاً جبهة ضد إسرائيل في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وهي تجربة أعادت إلى الواجهة المخاوف من أن يتحول لبنان إلى جبهة إسناد متى اقتضت حسابات طهران ذلك، بصرف النظر عن قدرة الدولة اللبنانية على تحمّل تبعات الحرب، أو عن إرادة اللبنانيين ومصالحهم الوطنية.
كما أن قاسم يتمسك بالمسار التفاوضي الأميركي الإيراني في إسلام آباد، وهنا تبرز مفارقة تستحق المساءلة: إذا كان حزب الله يراهن على تفاهم أميركي إيراني لتثبيت وقف التصعيد وضمان مصالح إيران، فلماذا لا يجعل مصلحة لبنان واستقراره أولوية مستقلة عن أي تفاوض إقليمي؟ ولماذا يُربط مصير الجبهة اللبنانية بمسار تفاوضي لا تملك الدولة اللبنانية السيطرة عليه، ولا تستطيع ضمان نتائجه مع ما يحمله من تبعات على لبنان وإلحاقه بتفاهمات تُعقد خارج حدوده، فتُفتح جبهته أو تُغلق وفقاً لما تقتضيه المساومات بين القوى الكبرى، لا وفقاً لما تقرره مؤسساته الدستورية.
من هنا، فإن التحدي أمام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ليس فقط التفاوض لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطبيق «اتفاق الإطار»، بل منع استخدام لبنان مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فلبنان ليس ملكاً لحزب، ولا ورقة تفاوضية في يد أي دولة.
ومع عودة بنيامين نتنياهو لتصدر نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن فوزه يعني استمرار التشدد الإسرائيلي، والتمسك بشروط أمنية قاسية، والإبقاء على الضغط العسكري والسياسي لانتزاع تنازلات من لبنان. وفي حال نجاحه في تشكيل حكومة قد يجد في رفض حزب الله مناقشة سلاحه حجة إضافية لتبرير استمرار العمليات العسكرية أو تأخير الانسحاب من المناطق المحتلة إلى حين نزع السلاح.
وهكذا كلما أصرّ «حزب الله» على إغلاق باب النقاش حول سلاحه، ازدادت إسرائيل قدرة على تقديم نفسها للمجتمع الدولي باعتبارها الطرف الذي يطالب بمعالجة الخطر الأمني، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض قرارها على جميع مكوناتها، وفي تأجيل القرار بإحالة متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي أكبر دليل على تخوف السلطة من تهديدات «الحزب» ومن أي ردود فعل قد تصل إلى حد إحداث فوضى. والواقع أن الدولة كلما تراخت أمام «حزب الله» بذريعة تفادي مواجهة داخلية كلما رفع من نبرته، علماً أن التهديد بـ 7 ايار جديد ليس في مكانه بوجود قرار حاسم لدى رئيس الجمهورية بمنع أي تهديد للسلم الأهلي.