نبض لبنان

ما بعد 4 تشرين الثاني: إيران تحت النار والخليج أمام حسابات “اليوم التالي”

كتبت رلى موفّق في القدس العربي:

سيتغير المشهد في «البيت الأبيض» في «اليوم التالي» للانتخابات الأميركية. 4 تشرين الثاني سيكون يوماً جديداً لدونالد ترامب خالياً من ضغوط حسابات الاستحقاق، وسيصبح معه أكثر تحرراً في قراراته حيال المنطقة والحرب على إيران، بمعزل عما ستُفضي إليه صناديق الاقتراع، وما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بمجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو بما إذا كان الديمقراطيون سيتمكنون من انتزاع أحد المجلسين أو كليهما. فالمهمة التي بدأها دونالد ترامب ضد إيران لم تنتهِ بعد، وهو لا يبدو مستعداً للتخلي عن أهدافه قبل تحقيق ما يعتبره إنجازاً سياسياً وعسكرياً سيُدوَّن في التاريخ.

ستؤثر نتائج الانتخابات في المناخ السياسي الذي سيتحرك فيه الرئيس لاحقاً، لكنها لن تبدل حساباته العسكرية في «اليوم التالي». الكونغرس الجديد لن يتسلم مهامه قبل الثالث من كانون الثاني 2027، ما يعني أن التوازنات التشريعية الحالية ستبقى قائمة خلال المرحلة الانتقالية. وسيستفيد منها بالقدر الأكبر.

تمَّ إبلاغ الحلفاء في الشرق الأوسط بضرورة الاستعداد، فاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، من حيث المبدأ، مقرر في أي وقت بعد 4 تشرين الثاني، وبالتالي، فإنهم سيكونون عرضة لرد إيراني مباشر. ترسم الصحف الأميركية سيناريوهات «الحرب المُحقَّقة» واحتمال شن حملة عسكرية أميركية-إسرائيلية قصيرة ومكثفة، بهدف إضعاف إيران ودفعها إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن. وتشمل الخيارات المطروحة منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية.

تقدَّمت واشنطن في استعداداتها العسكرية وأعادت تموضع قواتها بعيداً من القواعد التي يفترض أن تكون مستهدفة في رد «الحرس الثوري»، وزودت المنطقة بمزيد من القدرات الدفاعية والذخائر. وتتحضر دول الخليج باعتبار أن أراضيها ومنشآت الطاقة والمطارات والموانئ والبنى التحتية فيها ستتحول مرة جديدة إلى جزء من ساحة المواجهة.

من المتوقع أن تكون الكلفة الأكبر على المملكة العربية السعودية، خصوصاً مع فتح الحوثيين جبهة ضدها. تتسارع حركة الرياض على مستوى التنسيق العسكري مع الحلفاء ودول غربية وكيانات عسكرية، ويكثف وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان اتصالاته من «الناتو»، إلى إسبانيا وكندا، وقبلهما فرنسا وبريطانيا، فضلاً عن محادثات «حلف مكة» في طهران التي جرت على أعلى مستويات أمنية- عسكرية بين أركانه، السعوديين والباكستانيين والأتراك، وبين الإيرانيين.

من غير الواضح مآلات الحرب المقبلة. ترامب يتحدث عن حملة قصيرة، غير أن واشنطن لا تستطيع ضمان قدرتها على التحكم في مسارها، أو منع الرد الإيراني من توسيع المواجهة وإطالة أمدها، ذلك أن طهران التي تعرضت لضربات عسكرية واسعة وضعفت إمكاناتها لا تزال تمتلك أوراقاً للرد، وتقوم خطتها على مد رقعة الصراع والتصعيد عبر تحريك ساحات أخرى، من العراق إلى اليمن، وصولاً إلى لبنان الذي سيكون أمام احتمالات شديدة الخطورة، سواء انخرط «حزب الله» في حرب اسناد جديدة أم قررت إسرائيل استغلال التصعيد الإقليمي لتوسيع عملياتها.

وتوازياً مع التحضيرات العسكرية، تتحرك قناة دبلوماسية تقودها قطر، بعدما وجّه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، اقترح فيها استئناف المفاوضات، على أن يكون الملف النووي في صلبها منذ البداية.

كما عاد الوسطاء القطريون إلى طهران في 30 تشرين الأول لدفع الاتصالات قدماً وواصلوا المحادثات في الدوحة، لتقليص الهوة بين الطرفين بشأن ترتيب الخطوات المطلوبة. تريد واشنطن بحث الملف النووي قبل تقديم تنازلات، بينما تطلب طهران منها الموافقة على الشروط الإيرانية السبعة، ولاسيما وقف إطلاق نار شامل في الشرق الأوسط، رفع الحصار البحري والعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.

تُقرأ رسالة فانس كمحاولة أخيرة لاختبار إمكان التوصل إلى تفاهم قبل تنفيذ القرار العسكري. سيُشكل نجاح هذا المسار مفاجأة كبرى، ذلك أن شروطه لا تبدو ناضجة حتى الآن. تصل رسائل النصح الدبلوماسية إلى القيادة الإيرانية، وقوامها أن النافذة المفتوحة اليوم هي فرصة قد لا تتكرر ثانية، وأنَّ وقت التسوية هو الآن، في هذه الساعات الفاصلة عن الرابع من تشرين الثاني.

في قراءة الجمهوري طوم حرب، لا يرتبط قرار ترامب تجاه إيران بنتيجة الانتخابات النصفية بقدر ارتباطه برغبة الرئيس الأميركي في تحقيق إنجازه المتعلق بالاتفاقيات الإبراهيمية التي يتطلب توسيعها أولاً إنهاء التهديد الإيراني لدول المنطقة. فحتى لو خسر الجمهوريون أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، فإن ذلك لا يعني أن ترامب سيتراجع عن أهدافه أو يمتنع عن استخدام صلاحياته في اتخاذ قرار عسكري.

ويقول إن التحدي الأكبر سيظهر إذا تحوّلت العملية إلى حرب طويلة تتطلب تمويلاً إضافياً ومواجهة سياسية داخل الكونغرس. لكن هذا الاحتمال لا يلغي قدرة الرئيس على التحرك عسكرياً في المرحلة الأولى، ويمكنه خلال مهلة الشهرين المتبقية قبل تسلّم الكونغرس الجديد مهامه، تمرير هكذا قرار إذا كانت هناك حاجة له. ويرى أنه، حتى لو سيطر الديموقراطيون على الكونغرس، فلن يكون بإمكانهم تحمّل تبعات عرقلة إقرار اعتمادات إضافية للحرب لأن المسألة ترتبط في النهاية بالأمن القومي الأميركي.

تعبير «إسقاط النظام»، الذي عاد الحديث عنه بكثافة في الأيام الأخيرة، لا يعني التخلص من النظام بكامله، إنما إضعاف الحرس الثوري والباسيج، وإعادة تشكيل بنية السلطة من خلال إشراك شخصيات من داخل النظام وأخرى من المعارضة السياسية سواء أكانت موجودة في السجون أم في الخارج، وصولاً إلى صيغة انتقالية. ويصف حرب هذا التصور بأنه «فنزويلا بلاس»، بمعنى أن المواجهة لا تنتهي باتفاق نووي وأمني، إنما بتغيير موازين القوة داخل إيران بما يجعلها «إيران الجديدة» التي ستبني حساباتها في علاقاتها مع الولايات المتحدة استناداً إلى مصالح شعبها المستقبلية، وتعود إلى مصاف الدول الطبيعية في علاقاتها لجيرانها والعالم.

والسؤال الذي يشغل المنطقة، ولاسيما المملكة العربية السعودية بوصفها القوة الخليجية الأبرز، لا يتناول فقط ما الذي سيحصل في خضم المواجهة فحسب، بل ما الذي سيكون عليه «اليوم التالي» بالنسبة لأمنها القومي لدولها. لا يُنظر إلى أي اتفاق أميركي-إيراني من زاوية الملف النووي وحده.

والمملكة معنية، في هذا السياق، بأن يتناول أي تفاهم مستقبلي ماهية النفوذ الإيراني الإقليمي وحدوده، والتهديد الذي تمثله أذرع إيران، وفي مقدمها الحوثيون. وهي لا تريد أن تنتهي المواجهة إلى اتفاق يُعيد إنتاج التفاهمات السابقة من دون معالجة مخاوفها الأمنية، أو أن تتحمل دول المنطقة كلفة التصعيد ثم تجد نفسها أمام تسوية لا تشارك في تحديد شروطها. وتتصل المخاوف بالضغوط التي تواجهها المملكة ومحاولات تطويقها لدفعها إلى التطبيع مع إسرائيل، بشروط لا تراها الرياض تصب في ضمان موقعها ودورها وصون أمنها القومي والإقليمي.

ما الذي ينتظر المنطقة صبيحة 4 تشرين الثاني؟ تضع المؤشرات المتاحة ثلاثة مسارات على الطاولة: إما جولة ضربات عسكرية أميركية–إسرائيلية مكثفة تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية وفرض العودة إلى التفاوض وإما نجاح الاتصالات في التوصل إلى إطار تفاوضي يؤجل الضربة وإما تعثّر المسار الدبلوماسي بما يفتح الباب أمام تصعيد عسكري ورد إيراني إقليمي. لكن ثمة فريقاً أميركياً يبدو جازماً أن ما كُتب قد كُتب، وأن الأيام المقبلة لا تحمل سوى مسار واحد: الضربات الموجعة التي تأتي بطهران إلى إبرام اتفاق تحت وطأة النيران.

أخبار متعلقة :