كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
في موازاة الضغط السياسي والإعلامي الممزوج بالتهديدات الأمنية الذي وضعه “حزب الله” على السلطة، وأسهم في رفع حدّة الاستقطاب حول التعامل الرسمي مع شحنات المتفجرات، والتي تؤسس لكيفية مقاربة الدولة معضلة سلاح “الحزب” بمختلف وظائفه، تبرز ملاحظة يصعب تجاوزها، ترتبط بصمته السياسي وانخفاض تفاعله الإعلامي مع اعتقال معراج أورال، الإرهابي المطلوب.
هذه لا تنفصل عن تلك. مكوث أورال في أصله، كما نظرائه، جزء من وظيفة سلاح “الحزب” وشبكات نفوذه، علاوة على أن موقفه الملتبس يمنح مصداقية لرواية انتشرت في الكواليس السياسية، تتحدث عن دور له في عملية الاعتقال، وأنه سلم أورال “تسليم أهالي” كما يقول المصريون. وما تصويبات وزير سابق على إعلام ورموز “الممانعة”، وتهديداته الكلامية، سوى رسالة موجهة إلى “الحزب” بسبب دوره الفاتح لإمكانية بيوعات لاحقة.
لا يعني ذلك وجود تعاون مع دمشق، فتلك مسألة منفصلة ومعقدّة. لكن ثمة شريك في عملية اعتقال أورال قرارًا وأسلوبًا وهي أنقرة، حسبما أعلنت سوريا، والتي تعمل منذ أشهر على إدارة الصراع وخفض التصعيد بين نظام الملالي ودمشق، وسط تقارير دولية تحدثت عن مساعٍ تركية لتقريب المسافات بما يشمل بالتبعية “الحزب”.
وتتقاطع هذه الرواية مع الفجوة القائمة في العلاقات بين لبنان من جهة، وتركيا وسوريا من جهة أخرى، في ظل تعثر تطوير القنوات المؤسسية ومنسوب الثقة المحدود. فأنقرة أبدت رغبة بتطوير التعاون مع لبنان، لكنها تنظر بريبة إلى علاقاته مع اليونان وقبرص، وتعتبر أن المطلوب بناء توازن دقيق لا يبدو قائمًا. فيما سبق لسوريا أن طلبت أورال وغيره دون استجابة جدية، وفق المعلومات المتداولة.
لكن السؤال المطروح يتمحور حول آلية الطلب: هل هناك وثيقة رسمية؟ ذلك أنه ثمة انطباعات مسبقة وشكوك من بعض أطراف الحكم والأجهزة ترخي بثقلها، مقابل شكوك سورية بتوفير مظلة حماية لعتاولة الإجرام من فلول نظام الأسد، بما يحول دون الإفصاح الكامل وتقديم البيانات الموثقة. هذا المناخ دفع الجانب التركي، حسب الرواية، إلى التعاون مع “الحزب” لاعتقال مجرم خطير مطلوب لديها.
غير أن ارتدادات العملية كانت قاسية، حيث شعر صناع القرار بأن “الحزب” بعمله هذا، سحب بساط المبادرة من الشرعية صوبه. وإذا كانت الدولة لاذت بالصمت، إلا أن أجهزتها تحركت سريعًا، وبتغطية سياسية، وبدأت التحقيق وعمليات اعتقال موسعة، في محاولة متأخرة لاستعادة المبادرة عكست غضبًا، واشتملت على سابقة نادرة تجسدت بتحقيق متزامن لدى 3 أجهزة: مخابرات الجيش، الأمن العام، وشعبة المعلومات.
ناهيكم أن المقاربة القائمة تبدو غير مقنعة وأقرب إلى ربط نزاع مع “الحزب” وسلاحه، وانتظار مآلات التحولات الخارجية، فإن هذا التطور الخطير يعيد طرح السؤال الأعمق حول تحول المقاربة الأمنية في لبنان إلى بديل من السياسة، وشكوى فاعلين إقليميين من ذلك، فيما المطلوب أن تكون عنصرًا مكمّلا لها.
ومع أن خيار الحرب يغدو أكثر ترجيحًا، فضلا عن تشديد الضغوط على “الحزب”، لا تنتفي إمكانية فتح قنوات خلفية معه ضمن ضوابط معينة طالما ما زال يظهر إمساكه بالأرض. فالتجربة الأميركية مع منظمة التحرير أظهرت أن وضعها على لوائح الإرهاب، وتحريم التعامل معها، لم يحولا دون إبرام تفاهمات محدودة معها لحماية مصالح أميركا ورعاياها في لبنان.
وبالتالي إن كان بيع قادة ورموز القتل والميليشيات في نظام الأسد سيفيد “الحزب” سياسيًا وأمنيًا، وخصوصًا في المعركة التي يتحسبّها، فلماذا لا يفعلها، وهو الذي يستخدمهم كأوراق لعب ليس إلا. لذلك من المفترض أن تحث عملية اعتقال أورال الدولة على تطوير مستوى وآليات التنسيق المؤسسي مع بعض الأطراف الخارجية، ولا سيما سوريا، لاستعادة شيء من المبادرة وإقفال الثغرات، إن كانت فعلا تريد معالجة السلاح ووظائفه لا الاكتفاء بإدارة تداعياته.