رسالة إيرانية لواشنطن عبر البريد الحوثي

رسالة إيرانية لواشنطن عبر البريد الحوثي
رسالة إيرانية لواشنطن عبر البريد الحوثي

كتب نايف عازار في “نداء الوطن”:

سطع نجم الحوثيين خلال الحروب الأخيرة التي تعصف بالمنطقة نظرًا إلى جذورهم الإقليمية الضاربة في عمق المنطقة، خصوصًا في إيران. لا يمكن اختزال الصراع بين جماعة “أنصار الله” والقوّات اليمنية الحكومية بالقول إنه صراع داخلي بحت على السلطة والنفوذ، لأنّه أمسى في صلب النزاع الإقليمي، حيث تتداخل استراتيجية طهران في المنطقة مع الحسابات الأمنية السعودية الدقيقة، وحيث باتت المضائق المائية الاستراتيجية تتّسم بأهمية قصوى، في ظلّ سعي الجمهورية الإسلامية إلى الإمساك بها، بالتعاون مع أذرعها في المنطقة، وعلى رأسها الحوثيون.

يجهد الحوثيون ومن خلفهم إيران للسيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الحيوي، لرفع الكلفة الاقتصادية على دول العالم بأسره وإيلام الاقتصاد العالمي، وقد نجحوا نسبيًّا في ذلك.

فور استعادة الجبهات زخمها في الداخل اليمني منتصف هذا العام، جاء الانتقام الحوثي سريعًا من السعودية، كونها تدعم القوّات الشرعية الحكومية. وفي محاولة من “أنصار الله” لرفع كلفة المواجهة مع المملكة، سارعوا إلى استهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية والمدنية والمطارات، في خطوة تؤكد انزلاق المواجهة إلى درك خطير.

أراد الحوثيون باستهدافهم المملكة توجيه رسالة إيرانية عبر بريدهم إلى واشنطن، وتحديدًا إلى قاطن البيت الأبيض، مفادها أن أي حرب على إيران، وليّة أمرهم ونعمتهم، ستكون كلفتها باهظة على دول المنطقة، وتحديدًا الخليجية منها، التي تعتبرها طهران حليفة واشنطن في المنطقة. وبما أن نظام الملالي لا يجرؤ إلّا نادرًا على استهداف إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة المدلّلة في المنطقة، فهو يلجأ إلى استهداف حلفاء واشنطن العرب.

تخوض الرياض منازلة عسكرية عسيرة مع الحوثيين، فالمملكة لا تواجه فقط تهديدًا عسكريًّا، بل يقف في وجهها خصم أثبت أن بمقدوره إلحاق أضرار فادحة بمنشآتها الاستراتيجية. كما تهدّد الجماعة دول العالم أجمع من خلال سعيها إلى رفع كلفة التأمين عبر تهديد المعابر المائية الحيوية والبنى التحتية في دول الخليج، في وقت هي متحرّرة من أي تهديد لاقتصادها، باعتبار أنها لا تتمتّع باقتصاد مزدهر ولا تملك بنى تحتية قابلة للتهديد من قبل خصومها. لذلك، يعتبر المراقبون أن الفرق الشاسع في قيمة “بنك الأهداف” الذي يمكن لكلّ طرف استهدافه يمنح الحوثيين ورقة قوّة في أي حرب استنزاف، رغم أن السعودية تتفوّق بأشواط على الحوثيين لناحية القدرات العسكرية التقليدية.

من نافل القول إن قرع طبول حرب جديدة بين إيران والولايات المتحدة يرفع قيمة الجبهة اليمنية من الناحية الاستراتيجية بالنسبة إلى صنّاع القرار في طهران. فالحوثيون هم إحدى الأذرع التي صنعها نظام الملالي لإسناده وقت الشدّة، شأنهم شأن “حزب الله” في لبنان والفصائل المسلّحة في العراق. وحين يتعرّض الأصيل لضغط عسكري واقتصادي، يحرّك وكلاءه في المنطقة بغية توسيع مروحة المواجهة وتكبيد خصومه كلفة أكبر. وهنا يجهد الحوثيون، بأمر عمليات إيراني، في تكبيد حلفاء واشنطن الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، كلفة عسكرية باهظة أو، على الأقلّ، كلفة اقتصادية، من خلال تسخين جبهة خطوط الملاحة والتجارة الحيوية.

تبقى المفارقة الأوضح راهنًا أنه كلّما اشتدّت الضغوط العسكرية الأميركية على عنق الجمهورية الإسلامية، وكلّما ضاق الخناق على أوردتها الاقتصادية، تضاعفت حوافزها وحاجتها لاستثمار قدرات أذرعها الإقليمية، وأبرزها الحوثيون، ضدّ مصالح الرياض تحديدًا، لكن في الوقت عينه، يرتدّ عليها ذلك بمفعول عكسي، إذ يؤدّي الأمر إلى استنفار خصوم إيران في المنطقة، واتجاههم إلى تشكيل جبهة إقليمية أوسع ضدّها، وهو أمر تجلّى أخيرًا بتوقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى