نبض لبنان

مفاوضات لبنان وصندوق النقد تدخل مرحلة حاسمة بشأن الودائع وتوزيع الخسائر

دخلت المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال البحث من المبادئ العامة للإصلاح إلى قضايا تمس مستقبل القطاع المصرفي وحقوق المودعين وكيفية توزيع الخسائر. وتحمل زيارة بعثة الصندوق إلى لبنان هذا الأسبوع مطالب ومقترحات أعادت طرح طبيعة العلاقة التفاوضية بين الطرفين، وما إذا كانت المباحثات تتجه إلى اتفاق متوازن أو إلى تنفيذ شروط يضعها الصندوق.

وفي اليوم الأخير من الزيارة، بحثت البعثة مع وزارة المالية ملف الدين العام، بما يشمل أرقام الدين والمدخلات المعتمدة، بهدف الاتفاق على خط أساس مشترك لإعداد تحليل استدامة الدين العام. كما ناقشت مع مؤسسة كهرباء لبنان أوضاعها المالية والإصلاحات المنفذة، خصوصاً الجباية التي بلغت نحو 87%، وإصلاح التعرفة وتدقيق الحسابات.

وفي موازاة ذلك، احتل الملف المصرفي ومشروع قانون الفجوة المالية موقعاً محورياً في الاتصالات، باعتبار أن القانون يشكل الحلقة الأساسية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة قضية الودائع.

وبحسب بعض التقارير، طرحت بعثة صندوق النقد تعيين مديرين مستقلين ومؤقتين للمصارف التي ستخضع لإعادة الهيكلة، بهدف فصل إداراتها الحالية عن عملية تقييم الأصول والخسائر. وترى البعثة أن استمرار الإدارات الحالية في اتخاذ القرارات خلال التدقيق والتقييم قد يؤدي إلى تضارب في المصالح.

غير أن الخلاف لا يقتصر على مبدأ تعيين مدير مؤقت، بل يمتد إلى تحديد المصرف المتعثر الذي يستوجب هذا الإجراء، وما إذا كان ممكناً بحث المسألة من دون الأخذ بموقف مصرف لبنان، الذي يتمسك بمبدأ شطب الشوائب قبل تحديد وضعية كل مصرف. وتحتاج هذه النقطة إلى تفاوض واضح، لأن منح أي جهة صلاحية استبدال إدارة مصرف من دون معايير دقيقة للتعثر ومراحله وضوابط القرار قد يترك آثاراً كبيرة على ملكية المصرف وإدارته وحقوق المساهمين والمودعين.

أما الخلاف الأبرز فيتعلق بالجهة التي ستتحمل الخسائر. فمنذ بداية الأزمة، يؤكد صندوق النقد أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي يجب أن تعترف بالخسائر وتوزعها وفق ترتيب المطالبات، مع حماية المودعين قدر الإمكان والحد من اللجوء إلى الموارد العامة.

لكن تطبيق هذا المبدأ بات موضع خلاف أساسي. فالمقاربة المتداولة في المفاوضات تقوم على عدم تحويل الدولة إلى جهة تتحمل التزامات مالية جديدة لسداد الخسائر، بما في ذلك الاعتراف بالالتزامات المستحقة لمصرف لبنان. وعملياً، يعني ذلك إبقاء القسم الأكبر من الخسائر داخل القطاع المالي، بدلاً من أن تعترف الدولة بديونها وتلتزم بمبلغ محدد لسداده.

في المقابل، يطرح مصرف لبنان مقاربته للدين المستحق له على الدولة. وتضع المعطيات المتداولة إجمالي هذا الدين عند نحو 63 مليار دولار، فيما سبق للمصرف أن أبدى استعداداً لبحث اعتراف الدولة بجزء منه يقارب 24 مليار دولار، على أن تدفع فوائد سنوية عليه، بما يتيح دعم السندات التي يمكن إصدارها ضمن آلية إعادة الودائع.

ولا تقتصر أهمية هذه المسألة على الجانب المحاسبي، إذ ترتبط مباشرة بمصدر الأموال التي ستستخدم لإعادة الودائع. فاعتراف الدولة بجزء من التزاماتها لمصرف لبنان يمكن أن يخلق أصلاً قابلاً للاستخدام في إعادة جزء من حقوق المودعين. أما رفض تحميل الدولة أي التزام إضافي، فيجعل استرداد الودائع مرتبطاً أساساً بما يمكن استخراجه من المصارف ومصرف لبنان والأصول المتاحة، بما يعني عملياً ضياع حقوق المودعين.

وتتضاعف أهمية مشروع قانون الفجوة المالية في هذا السياق. فقد اعتبر صندوق النقد في وقت سابق أن مشروع الحكومة يمثل خطوة أولى، لكنه طالب بتعديلات تضمن احترام تسلسل المطالبات. وفي المقابل، تشير تقديرات منشورة للسيناريو المطروح إلى أن تطبيق المشروع بصيغته الحالية قد يؤدي إلى عدم استرداد نحو 29 مليار دولار من حقوق نحو 550 ألف مودع. وقد وردت هذه الأرقام في تقديرات مرتبطة بدراسة الشركة الاستشارية العالمية «أنكورا»، وتعكس حجم المخاطر المحتملة لآلية توزيع الخسائر.

ومن هذا المنطلق، تكتسب خطوة مصرف لبنان الانسحاب من اللجنة الوزارية المكلفة إعادة النظر في مشروع قانون الفجوة دلالة مهمة. فوفق مصادر مطلعة على النقاش، لم يعد الخلاف تقنياً على صياغة مادة أو آلية محاسبية، بل أصبح مرتبطاً بمنهج التفاوض نفسه: هل تأتي بعثة الصندوق إلى بيروت للاستماع إلى المقترحات اللبنانية ومناقشة البدائل، أم لطرح شروط يتعين على لبنان تعديل قوانينه على أساسها؟

ويزداد هذا التساؤل أهمية لأن المفاوضات تتناول ملفاً بالغ الحساسية، لا يرتبط باستقرار المصارف فحسب، بل أيضاً بمصير مدخرات اللبنانيين ومستقبل المالية العامة. وخلال اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس بعثة الصندوق، شدد بري على ضرورة أن يضمن أي قانون حقوق المودعين وودائعهم كاملة، بالتزامن مع بدء مجلس النواب دراسة قانون الفجوة بعد إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف.

وتدفع هذه المعطيات إلى المطالبة بانتقال العلاقة من منطق الإملاء إلى تفاوض اقتصادي فعلي. فلبنان هو الذي طلب برنامجاً من الصندوق، لكن ذلك لا يلغي الطبيعة التفاوضية للمباحثات، ولا يجعل كل مقترح يطرحه الصندوق غير قابل للنقاش. ويفترض أن يقود المسار إلى صيغة قابلة للتنفيذ تحمي الاستقرار المالي، وتعيد هيكلة المصارف، وتوزع الخسائر بوضوح، من دون تحميل المودعين وحدهم كلفة الانهيار.

وتتمثل إحدى المشكلات الأبرز في تعامل بعض المفاوضين اللبنانيين مع مقولة «أنتم من أتى إلينا، وهذه شروطنا» باعتبارها حقيقة نهائية. غير أن وظيفة المفاوض، وفق الطرح الوارد، هي إيجاد مساحة مشتركة بين ما يريده الطرف الدولي وما يستطيع لبنان تطبيقه من دون التسبب بخسائر اجتماعية واقتصادية أكبر.

ولا يقاس نجاح التفاوض مع صندوق النقد بسرعة توقيع الاتفاق فقط، بل بقدرة لبنان على الحصول على برنامج إصلاحي قابل للتطبيق، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من حقوق المودعين وضمان توزيع عادل ومستدام للخسائر. وهذا هو الاختبار والتحدي أمام الحكومة في المرحلة المقبلة.

أخبار متعلقة :