نبض لبنان

“القوات” بين ترتيب العلاقة مع بعبدا والصدام مع “التيار”

كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:

تغلب العصبية على مواقف بعض القوى السياسية التي تعيش هاجس التحولات الجارية في المنطقة وتداعياتها على لبنان، إذ بات من الواضح أن المعادلة التي حكمت وتحكمت بلبنان عقودًا عدة في ظل الوصايتين السورية والإيرانية إلى انحسار. وما يزعج تلك القوى وفي مقدمها “حزب الله” وبعض حلفائه، هو أن التغيير المتسارع في لبنان ليس نتيجة ضغوط خارجية وظروف ترتبط بنتائج الحرب الأخيرة فحسب، بل نتيجة إرادة وطنية شبه جامعة تتمثل بالموقف الحازم والحكيم في آن واحد لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من موضوع سيادة الدولة وحصرية السلاح، وثبات الأكثرية الحكومية على قناعاتها السيادية، فضلًا عن بروز تململ ملحوظ لدى حركة “أمل” من القمة إلى القاعدة، بما يشي بالتحول الحاصل في المزاج العام للبيئة الشيعية ولو أنه ما زال تحولًا نسبيًا لكنه يتطور بثبات واضطراد.

والمعادلة المتحولة بحسب مراجع سيادية، إنما تعكس الضعف الذي يعانيه “حزب الله” لدرجة أن أصواتًا في بيئته الحاضنة بدأت ترتفع طارحة تساؤلات عدة وشكوكًا حول مدى صدقية المواقف التهديدية والعالية السقف التي يطلقها الأمين العام لـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم وبعض قياداته، وكأن ثمة رفضًا لتلمس الحقيقة المرة، والتي تعيشها شرائح من تلك البيئة ولو لم تعترف كلها بذلك، لكن الأكيد أن ثمة انحسارًا للثقة العمياء التي كانت تمحضها لـ “الحزب”، فضلًا عن تململ ناجم عن تراجع التقديمات المادية والصحية والخدماتية، حيث تبرز انتقادات لحصرها بنسبة كبيرة بكوادر “الحزب” وعناصره، في وقت عجز “الحزب” عن تأمين حد أدنى من التعويضات والمساعدات لأصحاب الأملاك المهدمة والمصالح التي تعرضت للخراب والدمار، باستثناء مبالغ ضئيلة في مرحلة أولى.

ولعل أكثر ما يحظى بالمتابعة في هذه الفترة داخليًا هو علاقة “القوات اللبنانية” بالحكم والحكومة التي تشكل جزءًا منها، في موازاة الحملات المنهجية التي تتعرض لها “القوات” سواء من “حزب الله” الذي يركز على وزير الخارجية يوسف رجي، أو من “التيار الوطني الحر” الذي يركز على وزير الطاقة والمياه جو الصدي وأدائه في الوزارة.

وبحسب المراجع فإن العلاقة عادت إلى مستواها السابق بين رئيس الجمهورية و”القوات اللبنانية”، ولا سيما أن التواصل بات دوريًا ولو من خلال الاتصالات الهاتفية بين بعبدا ومعراب، علمًا أن التوافق قائم على العناوين الأساسية وبالأخص في مسألة حصر السلاح، ولو تمايزت المواقف حيال الأسلوب والمقاربة، مع الإشارة إلى أن التنسيق قائم داخل الحكومة بين وزراء “القوات” والوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية كما على رئيس الحكومة.

وإذا كان هناك التقاء مع الرئيس عون حول الاستحقاق النيابي وضرورة حصوله في موعده، فضلًا عن أهمية اقتراع المغتربين للمقاعد الـ 128، علمًا أن رئيس الجمهورية يعتبر أن المسألة رهن بمجلس النواب ورئيسه الذي عليه أن يسهّل الأمور، فإن ثمة تمايزًا مع رئيس الحكومة الذي يبدو أنه يفضل تأجيل الانتخابات ربما أكثر من تأجيل تقني لشهرين أو ثلاثة. ومع ذلك تستبعد المراجع نفسها أن يتم التأجيل لسنة أو سنتين في غياب أي دواع تبرر هذا التأجيل. ولذلك ما زال التجاذب قائمًا حتى اللحظة الأخيرة حيال اقتراع المغتربين من أماكن إقامتهم للدوائر التي ينتمون إليها في لبنان.

وهذه المسألة إن دلّت على شيء، فعلى مدى التنافس المتوقع في الاستحقاق النيابي المقبل، مع بروز حرص شديد لدى “حزب الله” على الحفاظ على مقاعده، بالرغم من الواقع الضاغط الذي يعيشه، والاستشراس الواضح لدى “التيار الوطني الحر” للحفاظ على ما أمكن من مقاعده، لا سيما من خلال الجولات الكثيفة التي يبادر إليها رئيسه النائب جبران باسيل على المناطق، في موازاة تسعير الحملات على “القوات اللبنانية” التي يرى فيها الهاجس الأبرز وبخاصة بعد الانتصارات الكبيرة التي أحرزتها طلابيًا ونقابيًا.

على أن ملف الكهرباء يحتل منذ فترة واجهة السجالات سياسيًا وإعلاميًا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتبع “التيار” سياسة “نتغداهم قبل ما يتعشونا”، مدركًا سلفًا أنه، وبحسب المراجع السيادية، لا شيء لديه ليخسره، وبالتالي قد يستطيع من خلال الهجمات المتواصلة إحراج “القوات” في ملف الكهرباء بداعي أنه لم يتحقق شيء من الوعود، علمًا أن الوزير صدي حرص على التأكيد منذ البداية أنه لا يحب إطلاق الوعود بل سيجهد لإصلاح القطاع.

وفي المعلومات أن الوزير صدي يعد العدة لإطلاق عملية التدقيق الجنائي في ملف الطاقة، بعد دراسة وافية، على الرغم من كلفة هذا التدقيق، على أمل توافر الموازنة له، علمًا أن الوزراء السابقين على التوالي حرصوا على إخفاء الكثير من الأدلة والحيثيات، ولذلك يتحدثون ظاهريًا بنوع من الثقة والطمأنينة. ويبدو أن التدقيق سيشمل جوانب يُعتقد أنها مهملة على غرار الشبهات في تورط شركات الصيانة لمعملي الجية والذوق في الهدر، الأمر الذي استدعى توقيفهما عن المهمة، مع احتمال رفع قضيتهما إلى القضاء في موازاة فتح الباب أمام استدراج عروض جديد.

أخبار متعلقة :