نبض لبنان

نواف سلام يقود معركة استعادة الدولة

لم تكن العبارة العفوية التي قالتها سيدة جنوبية لدى استقبالها رئيس الحكومة نواف سلام — “يا هلا بالدولة عنا” — مجرّد ترحيب شخصي، بل توصيفاً مكثّفاً للحظة سياسية نادرة في لبنان: لحظة حضور الدولة، لا بالكلام، بل بالفعل.

منذ تولّيه رئاسة الحكومة قبل عام، يقدّم نواف سلام نموذجاً مختلفاً لرجل الدولة في بلد أنهكته الصفقات، وفتّتته المحاصصات، وأُفرغت فيه المؤسسات من معناها. لم يأتِ بشعارات فضفاضة، ولم ينخرط في لغة الرماديات، بل أعاد الاعتبار إلى البديهيات التي حاولت المنظومة طمسها: السيادة، القانون، كرامة المواطن، ووحدة المعايير.

في زمن اعتاد فيه اللبنانيون رؤساء حكومات يديرون التوازنات بدل إدارة الدولة، اختار سلام أن يكسر القاعدة. تصرّف منذ اليوم الأول على قاعدة واحدة: الدولة لا تُدار من الخلف، ولا تُقاس بالترضيات، ولا تُختصر بالتسويات.

استعادة الهيبة… بالحضور لا بالخطابات
جولة رئيس الحكومة في جنوب لبنان لم تكن استعراضاً إعلامياً، بل ترجمة عملية لفكرة الدولة. من ثكنة الجيش في صور، إلى القرى الحدودية المنكوبة، أكّد سلام أن الاعتداءات الإسرائيلية هي اعتداء مباشر على سيادة اللبنانيين وحقهم في الحياة الآمنة، وأن وجود الدولة في الميدان هو بحدّ ذاته فعل سيادي.

الأهم، أنّه شدّد على أن الحكومة لن تنتظر اكتمال الانسحاب الإسرائيلي لبدء إعادة الإعمار، في مقاربة تنهي منطق التعطيل المشروط وتعيد زمام المبادرة إلى الدولة، بدل ترك الجنوب رهينة الانتظار أو الاستثمار السياسي.

سلام لا يستعيد هيبة الدولة بالخطابات العالية، بل بالحضور. حضر حيث غابت الدولة طويلاً، في القرى المنكوبة، وعلى خطوط التماس، وفي مناطق اعتادت أن تُستثمر سياسياً بدل أن تُحمى وطنياً. هناك، لم يذهب بصفته زعيماً، بل ممثلاً لدولة تقول لمواطنيها بوضوح: نحن هنا، ولن نغيب.

حكومة لكل لبنان
وقبل الجنوب، كان الشمال. في طرابلس، عقب كارثة انهيار المبنى في القبة، كرّس سلام مبدأ وحدة المعايير. لم يفرّق بين منطقة وأخرى، ولا بين طائفة وأخرى. الدولة حاضرة حيث الخطر، وحيث الألم، وحيث الحاجة.

من الجنوب إلى الشمال، يثبت نواف سلام أن حكومته لكل لبنان، لا لمربعات نفوذ، ولا لمحميات سياسية. الجنوب والشمال في مقاربته وجهان لأزمة واحدة، وحلّان في دولة واحدة، ومعيار واحد: سلامة الناس أولاً، وكرامتهم قبل أي حساب سياسي.

إعمار بلا فساد… وقرار بلا صفقات
في ملف إعادة الإعمار، يقدّم سلام نقيض النموذج اللبناني التقليدي. لا صناديق سوداء، لا وسطاء، لا سماسرة حروب. التمويل واضح، المشاريع محدّدة، والرقابة جزء من القرار. يرفض الصفقات المشبوهة، ويضع الإعمار في إطار الدولة لا في جيوب الأحزاب.

هنا تحديداً، تظهر “خطورة” نواف سلام السياسية: رئيس حكومة لا يمكن تطويعه، ولا إدخاله في بازار المصالح، ولا استخدامه كواجهة لتمرير ما اعتاد اللبنانيون عليه.

حصر السلاح… موقف لا يقبل الالتفاف
الأكثر وضوحاً في تجربة نواف سلام هو موقفه من السلاح غير الشرعي. لم يراوِغ، ولم يختبئ خلف عبارات من نوع “الواقع القائم”. قالها بوضوح، ويترجمها بالسياسة والممارسة: لا دولة مع سلاح خارجها، ولا سيادة مع ازدواجية القرار، ولا هيبة بلا احتكار القوة الشرعية.

في زمن التردّد السياسي، يصرّ سلام على حصر السلاح بيد الدولة، لا كشعار استفزازي، بل كشرط وجودي لبقاء الدولة نفسها. يربط الأمن بالسيادة، والسيادة بالخدمات، والخدمات بكرامة المواطن. فلا أمن بلا جيش واحد، ولا إعمار بلا دولة واحدة، ولا مستقبل بقرارات متعدّدة الرؤوس.

هذا الموقف ليس تفصيلاً، بل هو جوهر مشروعه السياسي، وما يجعله على تناقض جذري مع نهجٍ ساد طويلاً، قام على إدارة الازدواجية بدل إنهائها، وعلى التعايش مع الدويلة بدل مواجهتها.

رجل دولة من الطراز الأول
بعد عام على ترؤسه الحكومة، يمكن القول إن نواف سلام أعاد تعريف معنى رجل الدولة في لبنان. ليس زعيم طائفة، ولا مدير أزمة، ولا واجهة تسوية، بل صاحب مشروع واضح: دولة واحدة، قرار واحد، سلاح واحد، وقانون واحد.

في بلد اعتاد الانحناء، يقف نواف سلام مستقيماً.
وفي بلد اعتاد الغموض، يتكلّم بوضوح.
وفي بلد كُسرت فيه الثقة، أعاد إلى شريحة واسعة من اللبنانيين الإيمان بأن الدولة ليست وهماً، بل خياراً ممكناً إذا وُجد من يجرؤ.

نواف سلام لا “يدير” الحكومة.
هو يخوض معركة استعادة الدولة نفسها.

أخبار متعلقة :