نبض لبنان

من باسكال سليمان إلى بيار معوض… بعد المصنع إلى أين ستهرب الدولة؟

الجريمة الأكبر من عملية قتل بيار معوّض وزوجته فيلافيا مراد والسيدة رلى مطر في الغارة الإسرائيلية على بناية في المشروع الماروني في عين سعادة، هي محاولة قتلهم مرة ثانية من خلال تبني نظريات مغايرة للحقيقة للتعمية على ما حصل ولنفي وجود أي مسؤول من الحرس الثوري الإيراني فرع “حزب الله” في المكان، ولاتهام “القوات اللبنانية” بأنها تفتعل أجواء التحريض والتجييش من أجل أخذ البلد إلى الحرب الأهلية. لا يمكن إلغاء عملية القتل الثانية إلّا من خلال استنهاض الدولة حتى لا يتحوّل القتل الحاصل إلى اغتيالها وقتلها، أو انتحارها.

في 7 نيسان 2026 شيّعت “القوات اللبنانية” ولبنان الشهيدين بيار وزوجته في بلدتهما يحشوش في كسروان، بينما كان يحتفل بالصلاة لراحة نفس رلى مطر في كنيسة سيدة البير في سن الفيل قبل نقل جثمانها إلى بلدتها زحلتي في جزين.

في 7 نيسان 2024 قبل عامين بالضبط كان مسلّحون يخطفون منسِّق منطقة جبيل في “القوات” باسكال سليمان عند مفترق يربط بلدة لحفد بطريق ميفوق وحائل، لدى عودته من واجب عزاء. وقد ظهر سريعًا أنهم قتلوه ونقلوه إلى سوريا قبل أن تتمكّن السلطات الأمنية في لبنان من استعادة جثمانه واستدراج أحد خاطفيه واعتقاله مع آخرين مشتركين في تنفيذ عملية القتل، بينما حتى اليوم لا يزال متهمون فارين من وجه العدالة.

الفاعل في المجهول

عندما قتل باسكال حُكي كثيرًا أيضا عن استدراج لبنان نحو حرب أهلية، كما يتم الحديث اليوم باستمرار عن هذا الموضوع. ولكثرة ما يحكى عنه يمكن أن تصير هذه الحرب مسألة حاصلة حتمًا إذا لم تحزم الدولة أمرها وتستفيق من محاولات تغييبها. لم يُعرف وقتها إذا كانت عملية خطف بخلفية أمنية وسياسية نفذها مسلحون تابعون لـ “حزب الله” انتقامًا من “القوات اللبنانية” المعارضة للحرب التي أقحم فيها “الحزب” لبنان مساندة لحركة “حماس” في غزة، خصوصًا أن سليمان مسؤول عن منطقة جبيل التي تعرّضت فيها بعض المواقع التي يستخدمها “الحزب” للقصف الإسرائيلي، وأنه كانت أُثيرت مسألة الأنفاق الموجودة في المنطقة ويستخدمها “الحزب” لأهداف عسكرية. بعد توقيف عدد من المتهمين سُرِّبت معلومات رسمية أن العملية نفذتها عصابة سرقة على أساس أن التحقيقات بيّنت أن الفاعلين قتلوا سليمان مباشرة بعد خطفه وقرّروا نقل جثته إلى سوريا والتخلّص منها هناك اعتقادا منهم أن المسألة يمكن أن تقف عند هذا الحدّ وتبقى الجثة مجهولة المصير ويبقى الفاعلون مجهولين أيضًا.

يومها كان “حزب الله” يقاتل في سوريا دفاعًا عن نفسه وعن نظام بشار الأسد، وكان يستبيح الحدود بين البلدين ويسيطر على معابر كثيرة استطاع القتلة أن ينتقلوا عبر أحدها إلى منطقة حمص. لم تكن تلك هي المسألة الأمنية الخارجة عن المألوف، بل ما لم يكن من الممكن تفسيره هو كيف أن الخاطفين استطاعوا أن ينقلو سليمان بسيارته من جبيل إلى الشمال وعكار وأن يدخلوا إلى سوريا من دون أن يوقفهم أي حاجز أمني. والأهمّ من عملية القتل كانت التداعيات التي نتجت عنها. ولكن وعي “القوات” لخطورة المرحلة ورفضها أخذ البلد إلى مواجهات داخلية والتركيز على أن الأمن هو مسؤولية الدولة، كل ذلك جنب لبنان الانزلاق إلى الفوضى.

من عهد ميشال عون إلى عهد جوزاف عون

عملية قتل بيار وزوجته ورلى صبّت في الاتجاه نفسه. كما ناشدت زوجة باسكال وعائلته الدولة اللبنانية تولّي ضبط الأمن واستعادة السلطة والقرار، ناشد أولاد بيار وعائلته الدولة الحالية. من عهد الرئيس ميشال عون إلى عهد الرئيس جوزاف عون تبدّل الحكم والزمن والمعطيات ولكن المشكلة بقيت هي ذاتها. حتى يبقى “حزب الله” متمسّكًا بسلاحه ومسيطرًا على قرار الدولة والناس الذين لا علاقة لهم بحربه التي يشنها اليوم دفاعًا عن إيران، يعمل على إغراق اللبنانيين جميعًا مع الدولة في هذه الحرب.

لا يمكن أن تستمر الدولة في الانسحاب من مكان إلى آخر تهرّبًا من المواجهة. سبق لها أن جرّبت ونجحت. نجحت في التصدّي للإرهابين في حوادث رأس السنة عام 2000 في جرود الضنية. ونجحت في حرب مخيم نهر البارد عام 2007. وفي معركة عبرا عام 2013 ضد مسلحين تابعين للشيخ أحمد الأسير من دون الدخول في تفاصيل وماورائيات المعركة ومن افتعلها وزجّ الجيش فيها. ونجحت القوى الأمنية في التصدّي للكثير من العمليات الانتحارية وكشفتها قبل حصولها، ومعظمها كان يستهدف “حزب الله”. ونجحت في كشف الكثير من العملاء ومعظمهم من داخل بيئة “الحزب”. ونجحت في حرب فجر الجرود وتحريرها من فلول ” تنظيم داعش” و “جبهة النصرة”. ونجح الجيش عام 2021 في التصدّي لمسلحي “الحزب” عندما حاولوا الدخول إلى منطقة عين الرمانة. ولكن كل ذلك لم يؤدِّ إلى استعادة القرار السيادي على مستوى الدولة والحكم.

مش مسرحية

الرئيس جوزاف عون ليس الرئيس ميشال عون ولم يصل إلى قصر بعبدا بسبب دعم “حزب الله” له، بل رغمًا عنه وبفعل تطورات الحرب العسكرية التي تكبّد فيها “الحزب” خسائر ضخمة جعلته عاجزًا عن معارضة انتخاب عون وفرض الفراغ ومرشحه سليمان فرنجية. والرئيس نوّاف سلام لم يصبح رئيسًا للحكومة، وقائد الجيش رودولف هيكل لم يصل إلى اليرزة إلّا بسبب هذه التطورات.

كل مسرحية نزع سلاح “حزب الله” انتهت إلى كذبة كبيرة لم يكن من الممكن أن يصدّقها أحد من الناس فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. أين هي اليوم مقولة استعادة الدولة سلطة القرار في منطقة جنوب الليطاني وتنظيفها من السلاح وبدء تطبيق نزع هذا السلاح بين الليطاني والأولي؟ انتهت مفاعيل التلهّي بمثل هذه الإعلانات الشهرية عن نجاح عملية نزع السلاح. مشهد الجيش اللبناني ينسحب من المناطق التي تهدِّدها إسرائيل بالاحتلال يبقى هروبًا من المشكل. ولكن لا حدود لهذا الهروب. لو حزمت الدولة أمرها قبل اندلاع الحرب الجديدة لكانت هي من أمسك بالأرض ومنعت تجدّد هذه الحرب. صحيح أنه يتم تحميل “حزب الله” هذه المسؤولية، ولكن “الحزب” في كل هذه المعركة لا يرى إلا مصلحة مرجعيته في جمهورية ولاية الفقيه، ولا يهمّه إذا تدمّر كل لبنان وقُتِل كل اللبنانيين. هذا المنطق كان يجب أن يكون معاكسًا عند السلطة لأنها مسؤولة عن كل لبنان وعن كل اللبنانيين.

ماذا إذا هدّدت إسرائيل وزارة الدفاع؟

ثمة مشهد حصل في منطقة المصنع يطرح علامات استفهام كثيرة حول تطورات الوضع العسكري. عندما هدّدت إسرائيل بقصف الطريق الفاصل بين لبنان وسوريا معتبرة أن “حزب الله” يستخدمه لنقل الأسلحة وتهريبها بعدما أظهرت المعارك استخدامه أنواعًا لم تكن متوفرة له، سارعت قوى الأمن العام والجمارك إلى إخلاء المكاتب ونقل المعدات وأجهزة الكومبيوتر، وغادرت الموقع وأُقفِل الطريق. هذا الأمر يطرح مسألة أكثر تعقيدًا وخطورة: ماذا إذا هدّدت إسرائيل بأنّها ستتقدّم إلى صور؟ هل يخلي الجيش اللبناني ثكنته هناك؟ ماذا إذا تورّطت مجموعة من الجيش في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي وهدّدت إسرائيل بقصف وزارة الدفاع أو القصر الجمهوري أو السراي الحكومي أو مطار بيروت أو مرفأ بيروت أو مطار رياق أو غيرها؟ هل تنسحب الدولة من المواجهة وهل تبحث عندها عن ضمانات أميركية لمنع إسرائيل من تنفيذ تهديداتها؟

وضع حدّ نهائي لمسلسل قتل الشعب واغتيال الدولة يبقى من مسؤولية السلطة، حتى لا يتأكّد مرة جديدة أن الطريق مفتوح نحو جهنم ولا يمكن إقفاله بعدما كان ساد اقتناع أن مرحلة العودة من جهنم قد بدأت عندما بدأ هذا العهد.

أخبار متعلقة :