نبض لبنان

“قايين لبنان”… الطلاق منه ضرورة

كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:

وحدها العقول حين تُغسل تُصبح ملوّثة. فالنقاش مع معسكر “الممانعة” لا يخضع للمنطق، بل هو جدلٌ خارج سياق الزمن، إذ يفرض الاصطدام بجدار الأيديولوجيا قبل أيّ اعتبار عقلاني أو مصلحة وطنية.

على مدى عقود، نجح “حزب اللّه” في هندسة بيئة عقائدية صلبة، تماهت مع فكرة الموت بلا مراجعة، وقمعت المشاعر الإنسانية الفطرية تحت طائلة التخوين أو اعتبارها مظهرًا من مظاهر الضعف. في المقابل، يزخر التاريخ بأمثولة شعوب جبّارة كألمانيا واليابان، التي اعترفت بانكساراتها وهزائمها بعد الحرب العالمية الثانية لتنهض من بين الركام أكثر قوّةً وعظمة. لذا، إن الشجاعة الحقيقية ليست في إنكار الهزيمة، بل في مواجهتها والاعتراف بها؛ أمّا طمسها فيتحوّل إلى انتحار ذاتيّ.

بناءً عليه، إن ارتهان جمهور “الممانعة” الذي بلغ حدّ الاستلاب المطلق، جعل التفاعل السياسي أو العقلاني مع هذه البيئة أمرًا متعذرًا، ما أدّى إلى سقوط العقد الاجتماعي مع بقيّة المكوّنات اللبنانية، وبات البحث عن نموذج جديد للعيش المشترك ضرورة ملحّة لا تقبل التأجيل، أيًّا كانت نتائج الحرب.

في تاريخ البلاد السياسي الحديث، لم يسبق لمكوّنٍ صادرَ قرار طائفته أن أحدث هذا الشرخ الجذريّ بين مفهوم الدولة (مهما كان شكلها) ومشروعه الذي هو في حقيقته العدوّ الأكبر والأخطر لفكرة لبنان الوجودية.

لقد أسقط “الحزب”، منذ نشأته وصولًا إلى إطباق قبضته على مصائر اللبنانيين، القاعدةَ الذهبية التي تمنع استئثار مكوّن واحد بمصير الطوائف الأخرى. ففي النمسا، تبلغ ديمقراطيتها شأنًا، يجعل بعض المقاطعات تستفتي مواطنيها قبل اقتلاع شجرة من ساحة عامة؛ فكيف يُقبل في لبنان أن يُصادر قرار الحرب والسلم، ويزج بشعب كامل في صراعات الآخرين، من دون أدنى اعتبار لإرادة الشركاء في الوطن؟

وبصفته تنظيمًا أصوليًا متطرفًا مارس الإرهاب في حياته عبر الاغتيالات السياسية والتفجيرات والاعتقالات وغيرها، يسعى لفرض مفاهيمه حول الحياة والموت والشهادة على اللبنانيين كافة، بما في ذلك الشيعة الذين لا يشاطرونه هذا الفكر. إن هذه المحاولة هي كبرى الخطايا، حتى وإن جرى تغليفها بشعارات المقاومة، أو نجدة غزة وفلسطين وإيران.

في “حربَي الإسناد”، أسقطت “المقاومة الإسلامية في لبنان” قناع التقية الذي لطالما تلطّت خلفه، مستعينةً بأذرعها من مختلف الطوائف لترويج صورة وهميّة عن مقاومة وطنية تحريرية. لقد رسّخ “الحزب” في عقول بيئته وغيرهم من مسيحيين ومسلمين مفاهيم خطيرة اختزلت “الوطنية” في معيار وحيد هو الحرب مع إسرائيل، والحال أن المقياس الحقيقي للوطنية يكمن في الولاء المطلق للوطن كمرجعية وحيدة، والعمل لمصلحته العليا بعيدًا من أي أجندات عابرة للحدود. إن مفاهيم السلم والحرب يجب أن تنبثق من المصلحة الوطنية الخالصة، لا من سجون الأيديولوجيات الجامدة.

وما عمّق هذا التباعد الجذري والبنيوي بين “الحزب” وبيئته وسائر اللبنانيين، هو ذلك الاستهتار الصارخ بحياة المواطنين؛ إذ عمدت قياداته وعناصره إلى التواري داخل مناطق لا تشاطرهم الانتماء ولا تتبنى حروبهم العبثية. إن في هذا التسلل نوعًا من الجبن والغدر بالأمان الاجتماعي؛ إذ كان الأجدى بهؤلاء المتوارين تسليم أنفسهم للأجهزة الأمنية، كخيارٍ يحفظ أمنهم الشخصي ويجنّب المناطق المدنية ويلات الاستهداف الإسرائيلي المباشر، وهو بالتأكيد أفضل من التخفي بين المدنيين.

في المحصّلة، يبرز “حزب اللّه” كخاسرٍ أكبر في هذه الحرب؛ ليس فقط في الميادين العسكرية والسياسية، بل في وجدان اللبنانيين الذين أسقطوا عنه رداء التقية الذي تلطّى خلفه في عام 2000 و 2006 لكسب دعمهم وتأييدهم له ليحقق سيطرته على البلد. لقد تحوّل “الحزب” إلى ما يشبه “قايين” الذي استباح دم أخيه “هابيل”، فأضحى منبوذًا لا لضعفٍ فيه، بل لاستعلائه بفائض القوة ونحره السيادة اللبنانية قربانًا لغزة وإيران. لذا، لم يعد مستغربًا تصاعد دعوات الطلاق ليس فقط السياسي إنما حتى المجتمعي والمطالبة بنظامٍ جديد كالفدرالية، وهي طروحات باتت تتردّد بجدية في أروقة الكنيسة؛ إذ تؤكّد مصادرها أن التغيير القادم سيضع شكل النظام الجديد في عهدة “الروح القدس” وفق تعبيرها.

أخبار متعلقة :