نبض لبنان

لبنان وهدنة الألغام الثلاثة: نتنياهو يُرضي ترامب ويكسب الوقت

كتب منير الربيع في “المدن”:

على حبل مشدود سيسير لبنان، إلى الهدنة، شروطها وما بعدها. هذا الحبل يمكنه أن يلتف حول عنق البلد ومواطنيه، ويمكنه أن يتحول إلى شرنقة مليئة بالتعقيدات القابلة لأن تنفجر ما بين الداخل والخارج. خصوصاً بالنظر إلى مذكرة التفاهم التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية، وتنص على جملة نقاط، أهمها وأخطرها احتفاظ إسرائيل بحقها القيام بعمليات عسكرية ضد حزب الله، في حال رصدت أي تحرك من قبل الحزب أو مقاتليه، إضافة إلى مهمة الدولة اللبنانية بسحب سلاح الحزب وحصره فقط بيد أجهزة الدولة الرسمية، كما تنص المذكرة على كبح جماح المجموعات المسلحة غير تابعة للدولة. كما تفتح مذكرة التفاهم الباب أمام مسار سلام بين البلدين، وهو ما يصر عليه دونالد ترامب.

إذن هو وقف جزئي لإطلاق النار، لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً من الجنوب، بل تثبيت نقاط سيطرة، إضافة إلى كلام نتنياهو هو توسيع الحزام الأمني وربطه مع المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب سوريا، أما التفاهم على كل هذه النقاط، فسيكون من خلال مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو ما سيحصل على مسارين، الأول تشكيل وفد التفاوض لبدء المفاوضات في ظل الهدنة، وثانياً كشف ترامب عن توجيه دعوة لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارته في البيت الأبيض وعقد لقاء، وهذا أيضاً سيكون له محاذير كبيرة.

تغريدة اتصال لم يحصل

جاء ذلك كترجمة لمسار سعى الأميركيون إلى فرضه، وتداخلت فيه عناصر إقليمية ودولية عديدة، بدءاً من وقف النار في إيران، وصولاً إلى المساعي السعودية بحثاً عن وقف لإطلاق النار في لبنان. بينما ذهب الأميركيون بعيداً، وباستعجال إلى الدفع باتجاه تواصل مباشر بين عون ونتياهو، كانت واشنطن تسعى إليه من خلال تواصل هاتفي للإعلان عن الهدنة، وهو ما رفضه عون. وكان ترامب قد أعلن عبر تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي عن اتصال مرتقب بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقع الخبر كالصاعقة على اللبنانيين وعلى عون أيضاً الذي لم يوافق وبقي مصراً على المطالبة بوقف إطلاق النار. هذه الفكرة الأميركية قديمة، وقد نصح بها سابقاً توم باراك، وكررها أكثر من مرة السفير ميشال عيسى، وهي أن معالجة “المشكلة بين لبنان وإسرائيل يمكن أن تحصل من خلال اتصال بين عون ونتنياهو وأنه يجب عليهما التحدث سوياً”. هذا ما أصر عليه الأميركيون ورفضه لبنان، بينما حصل الاتصال بين روبيو وعون، وحصلت ترتيبات لإجراء اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي ترامب وعون الذي طالب بالحصول على وقف للنار، وتلقى وعداً بذلك، وقد أبلغ ترامب عون بأنه يعمل على الوصول إلى وقف إطلاق النار، فتمنى عون أن يكون سريعاً وشكره على الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأميركية. ووفق مصادر متابعة، فإن التركيز انصبّ على الوصول إلى وقف النار خلال ساعات، وطلب لبنان ضمانات بشأن ذلك.

كواليس وقف النار

ليل الأربعاء، وفيما كان الكابينت الإسرائيلي مجتمعاً للبحث في وقف إطلاق النار، وسط انقسام حاد بين الوزراء، خصوصاً أن غالبية الأعضاء رفضوا وقف النار، كان ترامب يجتمع مع وزير الخارجية ماركو روبيو وسفير أميركا في لبنان ميشال عيسى. في اللقاء جرى البحث في أن يتم ترتيب اتصال بين نتنياهو وعون، مقابل السعي الأميركي للوصول إلى وقف لإطلاق النار. تبلغت السفيرة اللبنانية بالأمر، فنقلت الرسالة إلى بعبدا، لكن عون لم يوافق. وصلت المعلومات وأصداء الاجتماع إلى مسؤولين آخرين في الدولة اللبنانية. وبينما كان لبنان ينتظر نتيجة الاتصالات الأميركية مع إسرائيل لوقف النار، كانت المعلومات التي يتم نقلها إلى بيروت تتحدث عن وقف جزئي للنار، مع ضمانات بعدم استهداف بيروت أو الضاحية الجنوبية، ووقف الغارات الجوية إلا في مناطق جنوب الليطاني والمناطق التي يطلق منها حزب الله الصواريخ.

شدد لبنان في مطالبه على ضرورة إعلان وقف النار بشكل كامل، وهو ما لم يعلنه نتنياهو يوم الأربعاء بسبب الخلافات الداخلية التي شهدتها جلسة الكابينت. كان الجزء الآخر من الصورة التي يريد نتنياهو أن يحصل عليها بعد صورة لقاء السفيرين في واشنطن، هو الاتصال الذي يفترض أن يجريه مع رئيس الجمهورية جوزاف عون لإعلان وقف النار. في موازاة تكثيف الأميركيين من ضغوطهم، لحصول الاتصال بين عون ونتنياهو، حصلت مشاورات في الداخل اللبناني، حول كيفية توحيد الموقف لتفادي ذلك، خصوصاً أن “الدم لم يبرد بعد”، وأن لبنان كان موعوداً بوقف النار بعد اجتماع السفراء، وهو لم يحصل، لذلك فإنَّ أيَّة خطوة أخرى على خط المفاوضات يفترض أن يسبقها إعلان وقف النار.

واشنطن مصرة على تواصل عون مع نتنياهو

أبلغ عون السفيرة اللبنانية في أميركا، رفضه التواصل مع نتنياهو، وطلب تثبيت الاتصال مع روبيو، وقد حصل. ووفق مصادر بعبدا فإنه كان اتصالاً إيجابياً وقد شدد فيه عون على المطالبة بوقف النار، وأكد تعويل لبنان على المساعي الأميركية لتحقيق ذلك، وأن المفاوضات يمكن أن تنطلق بعد حصول وقف النار. ووفق مصادر ديبلوماسية فإن العمل على وقف إطلاق النار، ارتبط أميركياً بمساعٍ تتصل بالإشارة إلى فصل لبنان عن إيران، وبنتيجة مباحثات لبنانية أميركية مشتركة، لا سيما في ظل استمرار الوساطات بين إيران وأميركا لتمديد وقف النار بينهما، علماً أن المعلومات من إيران تشير إلى وجود خلافات كثيرة، أبرزها عدم التوافق على مصير اليورانيوم العالي التخصيب، بسبب رفض إيران إخراجه إلى الخارج، كما هي تتمسك بمواصلة التخصيب، إضافة إلى الخلاف على مسألة الإفراج عن الأموال المجمدة، وإصرار طهران على دعم حلفائها في المنطقة.

لا انسحاب حالياً

في النقاشات التفصيلية لوقف النار، أصر الإسرائيليون على فرض منطقة عازلة واستمرار احتلالهم للمناطق التي وصلوا إليها في جنوب الليطاني، واستمرار عزل تلك المنطقة عن لبنان، وهو ما ترجموه في عملية استهداف جسر القاسمية، وهو الجسر الأخير الذي يربط منطقة جنوب الليطاني بلبنان ككل. تركزت النقاشات أيضاً حول مصير الأهالي، في ظل رفض إسرائيل لعودتهم في حال وقف النار، مع سعيها لفرض رقابة مشددة على أي تحرك باتجاه مناطق وقف النار كي لا يعمل حزب الله على إدخال عناصر جديدة إلى هناك. في التعليق على هذه المعطيات، قال مسؤولون لبنانيون إن نتنياهو يسعى إلى كسب المزيد من الوقت ليظهر كأنه حقق انجازاً من خلال السيطرة على بنت جبيل، والحديث عن فرض منطقة عازلة تبلغ حدودها حتى نهر الليطاني. وبعدها يريد الإسرائيليون العمل على وضع آلية واضحة مع الدولة اللبنانية حول كيفية العمل لسحب سلاح حزب الله، مقابل وضع جدولة للانسحاب، كما أن لبنان يتمسك برفض المنطقة العازلة ويتمسك بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وهذا ما لن يقبل به الإسرائيلي إلا بتطبيق شروطه وشروط الأميركيين حول سحب السلاح والدخول باتفاقات أمنية وسياسية بعيدة المدى.

أخبار متعلقة :