نبض لبنان

سوريا الجديدة ولبنان الجديد: علاقة ما بعد المنظومة

شكّلت المواقف الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع تجاه لبنان مؤشرًا يتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي إلى ما يشبه إعلان انتقال استراتيجي في فهم الدولة السورية الجديدة لطبيعة العلاقة مع بيروت. فالرسائل التي صدرت في المرحلة الأخيرة تبدو أبعد من مجرد إعادة تموضع سياسي بعد التحولات السورية، بل تحمل في مضمونها محاولة لإعادة تثبيت العلاقة على قاعدة مختلفة عن تلك التي حكمت العقود الماضية، أي علاقة دولة بدولة، ومؤسسات بمؤسسات، ومصالح مشتركة لا شبكات نفوذ متبادلة.

تأتي هذه المقاربة في لحظة تاريخية متزامنة يمر فيها البلدان بتحولات عميقة. فسوريا الخارجة من مرحلة طويلة من الصراع وإعادة التموضع الإقليمي تبدو منشغلة بإعادة بناء شرعية الدولة واستعادة موقعها الاقتصادي والسياسي، فيما يعيش لبنان منذ سنوات انهيارًا متراكمًا أصاب النموذج الذي تأسس بعد اتفاق الطائف وأنتج منظومة حكم امتدت منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، وما زالت تعاند على الرحيل وترك لبنان لقيادات جديدة ونخب قادرة على إعادته إلى مساره الطبيعي بعيدًا من التمحور والارتهان والساحات.

في هذا السياق تكتسب مقاربة الشرع أهمية استثنائية لأنها توحي برفض العودة إلى القواعد القديمة التي قامت على إدارة التوازنات اللبنانية عبر أشخاص أو مراكز قوى أو تفاهمات ظرفية. فالتحدي الحقيقي أمام دمشق الجديدة لا يكمن في إعادة فتح القنوات مع الطبقة السياسية اللبنانية التقليدية بقدر ما يكمن في فهم أن لبنان نفسه تغيّر، وأن البيئة الداخلية لم تعد كما كانت قبل عقدين أو ثلاثة.

فالمنظومة التي حكمت لبنان خلال العقود الماضية أثبتت قدرة استثنائية على التكيّف مع التحولات الإقليمية. انتقلت بين محاور مختلفة، وأعادت إنتاج حضورها مع كل تبدل في موازين القوى، واستفادت من آليات المحاصصة والزبائنية لتجديد شرعيتها السياسية رغم تراجع مشروعيتها الشعبية. هذه المنظومة لا تتحرك وفق منطق البرامج بقدر ما تمتلك خبرة طويلة في نقل التموضع من مرحلة إلى أخرى حفاظًا على النفوذ والمصالح.

ومن هنا تبدو الحاجة السورية إلى قدر كبير من الحذر. فإعادة تدوير العلاقة مع القوى ذاتها التي ارتبط اسمها في الوعي اللبناني العام بمراحل الانهيار المالي والتعطيل المؤسساتي والفساد قد يحمل أثمانًا سياسية تتجاوز أي مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل. ذلك أن أي انفتاح غير مدروس قد يُفسَّر على أنه محاولة لإعادة إنتاج نماذج نفوذ سابقة بصيغ جديدة، وهو ما يتعارض مع الصورة التي تسعى دمشق إلى بنائها لنفسها داخليًا وعربيًا.

وفي المقابل، تظهر داخل لبنان تدريجيًا نخب جديدة لا تزال مشتتة وغير موحدة تنظيميًّا، لكنها تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة. هذه النخب تتوزع بين قطاعات أكاديمية واقتصادية وإعلامية ومهنية ومدنية، وتستند إلى سردية مختلفة تقوم على الدولة الفاعلة والإصلاح والإنتاج والانفتاح الاقتصادي. ورغم أنها لم تتحول بعد إلى قوة حكم، إلا أنها تمثل اتجاهًا صاعدًا يصعب تجاهله في أي قراءة مستقبلية للبنان.

هنا تحديدًا تبرز الفرصة أمام الرئيس أحمد الشرع. فالانفتاح على المجتمع اللبناني الأوسع، وعلى الجامعات ومراكز الدراسات والقطاع الخاص ورواد الأعمال والإعلام والنخب المهنية، يمنح سوريا إمكانية بناء نفوذ من نوع جديد؛ نفوذ يقوم على الجاذبية الاقتصادية والتكامل التنموي لا على إدارة الاصطفافات السياسية والتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية من كبيرها إلى صغيرها كما في السابق.

إن تقديم البعد الاقتصادي والتنموي على المقاربة الأمنية والسياسية لا يعني انسحاب سوريا من الملف اللبناني، بل على العكس يمنحها حضورًا أكثر استدامة وأقل كلفة. فالتعاون في ملفات التجارة وإعادة الإعمار والطاقة والنقل والربط اللوجستي والاستثمار قد يخلق مصالح مشتركة أعمق من أي تحالفات سياسية ظرفية.

المعادلة التي تبدو أمام دمشق اليوم ليست اختيار شخصيات لبنانية جديدة أو قديمة، بل اختيار نموذج العلاقة نفسه، وبمعنى أوضح إما العودة إلى منطق الرعاية والتوازنات الذي استُنزف تاريخيًّا، أو الاستثمار في ولادة فضاء مشرقي جديد يقوم على الدولة والتنمية والمصالح المتبادلة. وإذا كانت المرحلة السابقة قد ارتبطت بسؤال من يحكم لبنان، فإن المرحلة المقبلة قد تُبنى على سؤال أكثر استقرارًا؛ كيف تتعاون الدولتان كي يخرج كلّ منهما من أزماته البنيوية نحو نموذج أكثر قدرة على البقاء؟

أخبار متعلقة :