نبض لبنان

إنفجار مرفأ بيروت… انهيارُ حلم بناء الدولة

كتب خضر نجدي في “نداء الوطن”:

في زيارة عابرة لي إلى أحد مراكز العلاج الفيزيائي التابعة لإحدى الإرساليات في منطقة الحدث، حيث كنت أطمئن الى صديق خضع لعملية جراحية، لم أكن أتوقع أن تتحول تلك الزيارة إلى محطة دفعتني للعودة إلى واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ لبنان الحديث. في البداية، فاجأني مستوى الرعاية والخدمات التي يقدمها المركز، حيث يقيم بعض المرضى لفترات طويلة في ظروف تليق بفندق من فئة الخمس نجوم، بما توفره من عناية طبية وإنسانية متكاملة.

وبدافع الفضول بعد انقضاء الزيارة، قصدت مكتب مديرة المركز لأتعرف أكثر إلى طبيعة عمله وإلى أوضاع النزلاء. وخلال الحديث، استوقفني أمر لم أكن أتوقعه؛ إذ علمت أن عدداً من المقيمين فيه لا يزالون منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020. لكن بقاءهم لم يعد مرتبطاً بالحاجة إلى العلاج الفيزيائي بقدر ما فرضته ظروفهم الاجتماعية والإنسانية. فمنهم كبار في السن تضررت منازلهم أو أصبحت غير صالحة للسكن، فيما يقيم أبناؤهم في الخارج ويتكفلون بنفقات إقامتهم ورعايتهم، بعدما تعذر وجود من يوفر لهم العناية اليومية أو يؤمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

عند تلك اللحظة، أدركت أن انفجار المرفأ لم يكن مجرد كارثة انتهت بإزالة الركام وإحصاء الضحايا، بل جرحاً مفتوحاً لا يزال ينزف في حياة آلاف اللبنانيين، حتى وإن غابت صور الدمار عن الشاشات. فهناك ضحايا ما زالوا يعيشون آثار تلك الفاجعة في أجسادهم، وفي منازلهم، وفي تفاصيل حياتهم اليومية، وكأن الانفجار لم ينته بعد.

من هنا، جاءت فكرة هذه المقالة. فالكتابة عن انفجار مرفأ بيروت ليست محاولة لسرد حادثة مأساوية فحسب، بل هي محاولة لقراءة حدث يحتاج إلى مجلدات لفهم أسبابه، وتشابكاته السياسية والإدارية والقضائية، والنتائج التي تركها على الدولة والمجتمع. إنه حدث يتجاوز حدود الإهمال أو الخطأ الإداري، ليصبح مرآةً تعكس طبيعة الدولة اللبنانية وأزمتها البنيوية، وعلاقة السلطة بالمحاسبة، والقانون بالسياسة، والعدالة بالنفوذ.

لقد شهد العالم كوارث وانفجارات هائلة خلّفت دماراً واسعاً وخسائر بشرية جسيمة، إلا أن كثيراً من الدول جعلت منها نقطة تحول لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز أنظمة السلامة والمحاسبة. ويكفي أن نستذكر ما عاشته اليابان بعد الكوارث والانفجارات التي رافقت الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناغازاكي، حيث تحولت المأساة، رغم هولها، إلى دافع لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة من الكفاءة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، حتى أصبحت اليابان واحدة من أكثر الدول تقدماً وانضباطاً في العالم.

أما في لبنان، فما زال انفجار مرفأ بيروت، بعد سنوات على وقوعه، أسير التجاذبات السياسية وتعطيل العدالة، فيما تستمر آثاره الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في ملاحقة اللبنانيين بصمت. ولذلك، فإن هذه الكارثة ليست مجرد ملف قضائي عالق، بل قد تكون المدخل الحقيقي لإعادة بناء الدولة، تحاسب المسؤول، وتصون حقوق المواطنين، وتمنع تكرار المأساة، بدلاً من تحويلها إلى محطة جديدة في سجل الإفلات من العقاب.

والأغرب من هول الانفجار نفسه أن كثيرين ممن كانوا يتولون مسؤوليات أمنية وإدارية وسياسية في تلك المرحلة لم يشعروا، أو لم يُظهروا، الحد الأدنى من الحرج الأخلاقي الذي تفرضه كارثة بهذا الحجم. فلم نشهد استقالات جماعية، ولا اعترافاً بالمسؤولية، ولا مراجعة صريحة لما حصل. بل إن بعض المسؤولين الأمنيين وغير الأمنيين استمروا في مواقعهم سنوات بعد الانفجار، ومن أحيل منهم إلى التقاعد غادر منصبه وكأنه أنهى مسيرة مهنية عادية، يتصرف أحياناً كما لو أنه يحمل على صدره وساماً رفيعاً، لا عبء واحدة من أكبر الكوارث التي شهدها لبنان في تاريخه الحديث.

غير أن المأساة الحقيقية لا تقف عند حدود أداء هؤلاء المسؤولين، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فحين تصبح الكارثة حدثاً عادياً يعتاده الناس، ويتراجع الاهتمام بها تدريجياً ليقتصر على أهالي الضحايا والمصابين، فإن الخلل لا يعود محصوراً في السلطة، بل يصيب الوعي العام أيضاً. ذلك أن انفجار المرفأ لم يكن قضية تخص عائلات الشهداء وحدها، بل كان اعتداءً على المجتمع اللبناني بأسره، وعلى حق كل مواطن في أن يعيش في دولة تحمي حياته وتحاسب من يعرّضها للخطر.

لقد تحول ملف المرفأ، مع مرور الوقت، من قضية وطنية جامعة إلى ملف يتابعه أولياء الضحايا وعدد محدود من الناشطين والقضاة والإعلاميين، بينما انشغلت الطبقة السياسية بإعادة إنتاج أزماتها وصراعاتها اليومية، وكأن شيئاً لم يحدث. وهذا الاعتياد على غياب المحاسبة هو أخطر من الجريمة نفسها، لأنه يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويجعل كل كارثة مجرد محطة تُنسى مع مرور الزمن، من دون استخلاص الدروس أو محاسبة المسؤولين.

فالأخطاء تقع في كل مكان، لكنها تتحول الى كارثة تتكرر دائما ،عندما يصبح الخطأ بلا مسؤول، والجريمة بلا محاسبة، والضحايا مجرد أرقام في نشرات الأخبار. وعندما تُطوى صفحة كارثة بحجم انفجار مرفأ بيروت من دون مساءلة حقيقية، يصبح الطريق ممهداً لتكرار المآسي بأشكال مختلفة، لأن من لا يدفع ثمن تقصيره مرة، لن يتردد في تكراره مرات أخرى.

ولعل ما يعيشه لبنان اليوم من أزمات متلاحقة، وصولاً إلى الحروب والاعتداءات والدمار الذي أصاب مناطق واسعة من البلاد، ليس منفصلاً عن هذا المسار الطويل من غياب المحاسبة. فالدولة التي تعجز عن كشف الحقيقة في أكبر انفجار غير نووي شهده العالم في العصر الحديث، وتعجز عن محاسبة المسؤولين عنه، ستعجز بالضرورة عن حماية مواطنيها في الأزمات اللاحقة. ومن هنا، فإن الحرب الدائرة الآن ، ليست حدثاً منفصلاً عن انفجار المرفأ، بل هي إحدى نتائج تراكم ثقافة الإفلات من العقاب، وضعف مؤسسات الدولة، واستمرار النهج الذي يقدم الحسابات السياسية على حياة الناس ومستقبل الوطن.

أخبار متعلقة :