نبض لبنان

القوات اللبنانية: مشروع الدولة في مواجهة وهم التسويات

كتب جوني خلف في نداء الوطن:

في حياة الأوطان، تأتي لحظات لا يعود فيها السؤال، من ربح السجال السياسي؟ ولا من امتلك المنبر الأعلى صوتًا؟ بل من يملك القدرة على رسم الطريق إلى المستقبل. فالدول لا تنهض بالخطابات، ولا تُبنى بالشعارات، بل بالمشاريع التي تتحول إلى سياسات، وبالقيادات التي تمتلك شجاعة تحويل القناعات إلى أفعال.

ويقف لبنان اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات. فسنوات طويلة من الأزمات والانهيارات والتسويات أوصلت اللبنانيين إلى قناعة لم تعد تحتمل الالتباس: لا إنقاذ خارج الدولة، ولا استقرار في ظل ازدواجية القرار، ولا اقتصاد يمكن أن ينهض إذا بقيت المؤسسات رهينة موازين قوى تتجاوز الدستور.

لهذا السبب، لم يعد اللبنانيون يفتشون عن خطابات حماسية أو شعارات جديدة، بل عن مشروع واضح يعيد الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار والسلاح، ويعيد بناء المؤسسات على قاعدة الكفاءة والمحاسبة وسيادة القانون.

وفي هذا السياق، شكّل مؤتمر معراب 3، وفق ما أُعلن فيه، محاولة لتقديم رؤية سياسية متكاملة تتناول الدولة والسيادة والإصلاح والمؤسسات، وتربط بين المبادئ وآليات التنفيذ والمتابعة. وقد يختلف البعض مع بعض تفاصيل هذه الرؤية، إلا أن أهميتها تكمن في أنها أعادت النقاش إلى مكانه الطبيعي: كيف نبني الدولة؟ لا كيف ندير الأزمة.

فالمرحلة التي يعيشها لبنان لم تعد تسمح بإدارة الانهيار، ولا بالاكتفاء بتدوير الزوايا أو تأجيل الاستحقاقات. لقد سقطت معظم التسويات التي قامت على تغليب موازين القوى على منطق الدولة، وانكشف أن أي معادلة تسمح بازدواجية القرار أو السلاح تنتهي، عاجلًا أم آجلًا، إلى إضعاف المؤسسات، وإرباك الاقتصاد، وتعميق الانقسام الوطني.

ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن تُعاد قراءة التجارب السياسية التي حكمت لبنان خلال العقدين الماضيين، لا بروح تسجيل النقاط، بل بروح المحاسبة الوطنية. فالأحزاب، كما الأفراد، تُقاس بخياراتها عندما تكون في موقع القرار، لا بالشعارات التي ترفعها عندما تصبح في موقع المعارضة.

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه: كيف يمكن التوفيق بين الخطاب السيادي الذي رُفع لعقود، وبين خيارات سياسية كرّست شراكة طويلة مع مشروع السلاح الخارج عن الدولة؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن بناء الدولة كان أولوية، فيما كانت التحالفات السياسية تمنح الغطاء لأحد أبرز أسباب إضعافها؟

ولعلّ مؤتمر فينيسيا لم يكن الحدث بحدّ ذاته، بقدر ما كان مناسبة أعادت إلى الواجهة السؤال الذي يواجه اللبنانيين منذ سنوات: هل آن الأوان للانتقال من مرحلة تبرير التجارب السابقة إلى مرحلة بناء مشروع واضح للدولة؟ فقد أعاد إنتاج الخطاب نفسه الذي قامت عليه تسويات أثبتت الوقائع فشلها، من دون مراجعة حقيقية لمسارها أو لنتائجها. لذلك، لم تعد المسألة أي مؤتمر كان أكثر حضورًا، ولا أي خطاب حصد تصفيقًا أكبر، بل أي رؤية تملك القدرة على إخراج لبنان من دوامة التسويات إلى منطق الدولة والمؤسسات.

من قدّم مشروعًا للدولة… ومن اكتفى بإعادة الوهم نفسه؟

ليس المقصود هنا رواية عابرة، بل ذلك الوهم الذي قيل للبنانيين طوال سنوات، ومفاده أن الدولة يمكن أن تقوم إلى جانب دويلة، وأن السيادة يمكن أن تتعايش مع ازدواجية القرار والسلاح. وقد أثبتت التجربة أن هذا الوهم كلّف لبنان أثمانًا باهظة. ومن حق اللبنانيين اليوم أن يحاسبوا كل تجربة سياسية ساهمت في تكريس هذا الواقع، لأن المراجعة ليست إدانة، بل شرط لأي بداية جديدة، ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن يكتسب صدقيته إذا تجاهل دروس الماضي.

لقد أثبتت التجربة أن الشعارات، مهما كانت جذابة، لا تكفي. فالسيادة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُدافع عنه عند لحظة الاختبار. والدولة لا تُبنى بالخطابات، بل بقرارات واضحة تحصر السلاح والقرار داخل المؤسسات الشرعية، وتُخضع الجميع للدستور والقانون.

كما أثبتت السنوات الأخيرة أن الرأي العام لا يُدار إلى الأبد بالضجيج الإلكتروني. فقد تنجح الحملات الإعلامية في صناعة انطباعات مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تغيّر حقائق السياسة، ولا أن تعفي أحدًا من مسؤولية خياراته. فالثقة تُبنى بالإنجاز، لا بعدد الوسوم، والمصداقية تُصنع بالثبات، لا بكثافة المنشورات.

إن اللبنانيين لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من السجالات العقيمة، بل إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل الدولة نقطة الالتقاء الوحيدة بين جميع القوى. فقيام دولة قوية ليس مطلب حزب أو فريق، بل الشرط الأول لبقاء لبنان نفسه.

وفي المقابل، تؤكد القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع أنها حافظت على ثبات خياراتها في القضايا السيادية، وفي مقدمتها حصرية السلاح بيد الدولة، واستقلال القرار الوطني، وتعزيز المؤسسات، وترى أن هذا الثبات هو ما يمنح مشروعها قدرًا أكبر من الاتساق بين الموقف والممارسة.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تكون امتحانًا للخطابة، ولا لقدرة الأحزاب على تعبئة جماهيرها، بل امتحانًا لمدى استعدادها لتقديم الدولة على أي حساب آخر، ولترجمة مواقفها إلى خيارات عملية يمكن للبنانيين أن يحاسبوها عليها.

سيأتي يوم تُفتح فيه دفاتر هذه المرحلة، ولن يُسأل أحد كم حصد من الإعجابات، ولا عن حجم التفاعل الإلكتروني الذي ناله، بل ماذا فعل عندما كان الوطن على حافة السقوط.

هناك فقط… يسقط الضجيج كله، ويبقى الوطن شاهدًا على من اختار أن يبني دولة… ومن اكتفى ببناء كذبة جديدة.

أخبار متعلقة :