نبض لبنان

بلدة دفعت ثمن الجغرافيا والحرب وخسرت أرضها قبل بيوتها

كتب روجيه نهرا في “نداء الوطن”:

كانت إبل السقي، قبل سنوات قليلة، واحدة من أجمل بلدات الجنوب اللبناني؛ بلدة تنبض بالحياة، ويجسّد أهلها نموذجًا فريدًا للعيش المشترك بين المسيحيين والدروز، حيث اختلطت تفاصيل الحياة اليومية بروابط اجتماعية متينة جعلت منها نموذجًا للوحدة والتنوع، لكن الحرب غيّرت كل شيء. خلال حربَي الإسناد عامَي 2023 و2026، تحولت إبل السقي إلى واحدة من البلدات الحدودية المتضررة. فالقصف الإسرائيلي المتكرر ألحق دمارًا بالمنازل والممتلكات، وأجبر السكان على النزوح، فيما سقط عدد من أبناء البلدة ضحايا حرب لم يكونوا طرفًا فيها.

لم تكن إبل السقي هدفًا بحد ذاتها، بل دفعت ثمن موقعها الجغرافي الملاصق لبلدة الخيام التي شكّلت ساحة رئيسية للمواجهات، فتحولت هي الأخرى إلى ساحة تتلقى نيران الحرب وتدفع كلفة الصراع.
ورغم توقف العمليات العسكرية، لم تتوقف معاناة الأهالي. فالخسائر الأكبر اليوم تتمثل في القطاع الزراعي، بعدما أصبحت مساحات واسعة من الأراضي خارج متناول أصحابها، الأمر الذي حرم عشرات العائلات من مصدر رزقها الأساسي.

في إطار التقرير الخامس الذي تعدّه صحيفة “نداء الوطن” عن واقع القرى الحدودية، وصف مختار بلدة إبل السقي سليمان غبار، الواقع بأنه “الأصعب في تاريخ البلدة”. وأكد أن نحو 80 في المئة من الأراضي الزراعية، ولا سيما بساتين الزيتون والأشجار المثمرة، أصبحت خارج متناول أصحابها، بعدما منع الجيش الإسرائيلي المتمركز في بلدة الخيام المزارعين من الوصول إلى حقولهم وجني محاصيلهم، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القطاع الزراعي الذي يشكّل العمود الفقري لاقتصاد البلدة.
وأشار إلى أن الأضرار لم تقتصر على الزراعة، بل شملت المنازل والمحال والممتلكات الخاصة، إضافة إلى سقوط شهداء من أبناء البلدة، ما فاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ودفع كثيرًا من العائلات إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية.
أضاف: “نريد فقط السلام والأمان. لم نعد قادرين على تحمّل حروب الآخرين على أرضنا ومن حسابنا. كفى تلاعبًا بمصير أهالي إبل السقي. نريد الدولة فقط، والجيش اللبناني وحده القادر على حماية أبناء الوطن.”

بلدة نموذجية في العيش المشترك
تُعدّ إبل السقي من البلدات النموذجية في جنوب لبنان، إذ يشكّل المسيحيون نحو 40 في المئة من سكانها، فيما يشكّل الدروز نحو 60 في المئة، وقد حافظ الطرفان على نموذج متقدم من التعايش الاجتماعي، إلى جانب حضور سياسي متنوع، ولا سيما للأحزاب ذات التوجه اليساري.
كما ارتبط اسم البلدة طويلا بقوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، منذ انتشارها عام 1978، عندما اتخذتها الكتيبة النرويجية مركزًا رئيسيًا لها، قبل أن تخلفها لاحقًا الكتيبة الهندية، ثم الكتيبة الإسبانية بعد حرب تموز 2006 وتطبيق القرار الدولي 1701.
وأثمرت هذه العلاقة روابط إنسانية واجتماعية عميقة بين أهالي البلدة والجنود الدوليين، تُرجمت بأكثر من عشرين حالة زواج مختلط، إضافة إلى توقيع اتفاق توأمة مع مدينة نرويجية، فيما لا يزال النصب التذكاري لشهداء الكتيبة النروجية الـ21 في وسط البلدة شاهدًا على هذه العلاقة، ويقصده سنويًا ضباط نرويجيون سابقون في السابع عشر من أيار، عيد الاستقلال النرويجي.

موقع استثنائي وطبيعة غنية
تقع إبل السقي على ارتفاع نحو 700 متر عن سطح البحر، عند سفح “حمى إبل السقي”، الذي يُعدّ ثالث أهم ممر عالمي لهجرة الطيور. وتحدّها الخيام جنوبًا، ومرجعيون غربًا، وراشيا الفخار شرقًا، وكوكبا شمالا، وتبلغ مساحتها نحو خمسين ألف دونم، فيما يناهز عدد سكانها 3500 نسمة.
وتحيط بالبلدة أكثر من عشرين ألف شجرة زيتون تشتهر بإنتاج زيت عالي الجودة، إلى جانب وفرة ينابيعها، وأبرزها نبع إبل ونبعا المهرة والوادي، إضافة إلى مرور نهر الحاصباني بمحاذاتها.

معالم أثرية ودينية
تشير المراجع التاريخية إلى أن البلدة عُرفت قديمًا بأسماء “أبل الهواء” و”أبل الكروم” و”أبل المياه”، قبل أن يستقر اسمها على “إبل السقي”. وتعني كلمة “أبل” في اللغات القديمة “البستان”، في إشارة إلى خصوبة أرضها وغناها بالمياه. وتضم البلدة معالم أثرية ودينية عدة، من بينها مطاحن قمح قديمة، ومغاور تضم مقابر يهودية تاريخية، ومقام الداعي عمار لدى الطائفة الدرزية، وثلاث كنائس للطوائف المسيحية المختلفة.
كما أنجبت إبل السقي شخصيات ثقافية بارزة، في مقدمتها الأديب الراحل سلام الراسي، أحد أبرز أعلام الأدب الشعبي والتراث اللبناني، إلى جانب عدد كبير من الأدباء والمثقفين الذين تركوا بصمتهم في لبنان وبلاد الاغتراب.
واليوم، وبعد كل ما أصابها، لا يطالب أبناء إبل السقي إلا بحقهم الطبيعي في العيش بأمان، واستعادة أرضهم ومواسمهم الزراعية، ليعود صوت الحياة إلى بلدة طالما كانت عنوانًا للتنوع، لا ساحة للحروب.

أخبار متعلقة :