نبض لبنان

يحورون ويمورون ويدورون… وفي النهاية سيعودون إلى “إعلان بعبدا”

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

كل الطرق التي يسلكها لبنان اليوم بحثًا عن مخرج من مأزق السلاح وقرار السلم والحرب تقود، وإن بعد التفاف طويل، إلى النقطة نفسها، وهي “إعلان بعبدا” الصادر في 11 حزيران عام 2012. قد تتبدل المصطلحات، وتتغير المعادلات، وتتعدد المبادرات والوساطات، وقد يحاول الداخل والخارج إعادة صياغة المشكلة بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة، لكن الحقيقة التي يصعب القفز فوقها هي أن لبنان لن يجد استقرارًا مستدامًا ما لم يحسم مسألة واحدة جوهرية، وهي أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، وأن يبقى لبنان خارج محاور المنطقة وصراعاتها.

يحورون ويمورون ويدورون لأن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس سهلا. فكل طرف يحاول أن يجد الصيغة التي تحفظ ماء الوجه، وكل وسيط يبحث عن تسوية لا تبدو انتصارًا لفريق على آخر، وكل قوة خارجية تحاول ترتيب مصالحها ونفوذها. لكن تحت كل هذه الحركة السياسية والدبلوماسية يبقى السؤال نفسه: ماذا نفعل بالسلاح خارج سلطة الدولة؟ ومن يقرر متى يدخل لبنان حربًا ومتى يخرج منها؟ وكيف يمكن تحييد البلاد عن صراعات إقليمية لا يملك اللبنانيون قرارها ولا القدرة على تحمّل نتائجها؟

المفارقة أن الإجابة كانت موجودة منذ عام 2012. فـ”إعلان بعبدا” وضع خارطة الطريق العملانية لبناء منظومة متكاملة لحماية لبنان: تهدئة سياسية وأمنية، تعزيز مؤسسات الدولة، دعم الجيش والقوى الشرعية، الاحتكام إلى القانون، تثبيت السلم الأهلي، والابتعاد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية. وكان جوهره الفعلي أن لبنان لا يستطيع أن يكون دولة مستقرة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعًا بين الدولة وقوة مسلحة تملك مشروعًا وارتباطات تتجاوز الحدود.

لكن “حزب الله” رفض عمليًا الالتزام بهذا المسار، إذ لم تمضِ أيام على موافقة “الحزب” على الإعلان عبر ممثله في الحوار النائب محمد رعد، حتى خرج رعد نفسه ليتنصل من الموافقة بقوله: “بلّوه وشربوا ميتو”، ولم يتعامل مع تحييد لبنان باعتباره خيارًا وطنيًا ملزمًا. ومع انخراطه في الحرب السورية، ثم في شبكة الصراعات الإقليمية، اتسعت الفجوة بين لبنان الدولة ولبنان الساحة. وبذلك، لم يكن رفض “إعلان بعبدا” خلافًا سياسيًا حول بند من بنوده، بل كان اختيارًا لمسار مختلف ترك لبنان تدريجيًا أمام استحقاقات أكبر من قدرته على الاحتمال.

واليوم، يدفع الجميع ثمن ذلك المسار، وإن بدرجات مختلفة. فالسلاح الذي قيل إنه عنصر قوة في مواجهة الأخطار تحول إلى عنوان دائم لأزمة السيادة، والانخراط في صراعات المنطقة جعل لبنان عرضة لتداعيات لا يقررها وحده، فيما أدى تعدد مراكز القرار إلى إضعاف الدولة وإبقاء أبواب الأزمات مفتوحة.

ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع المسألة وكأن المطلوب اختراع معادلة جديدة. يجري البحث في الضمانات، والجداول الزمنية، والمراحل، والوساطات، وآليات التسليم والتنسيق، فيما يتجنب الجميع أحيانًا الاقتراب من أصل المشكلة. لكن كل هذه التفاصيل، على أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تُحسم القاعدة الأساسية: لا دولة مستقرة مع قرارين للحرب والسلم، ولا تحييد حقيقيًا للبنان مع استمرار ارتباطه بمحاور الصراع.

لذلك، فإن كل هذا الدوران لن يغيّر النتيجة. قد يطول الطريق، وقد تتعقد المفاوضات، وقد تتبدل أسماء المبادرات والوسطاء، لكن النهاية المنطقية لأي تسوية جدية ستحتاج إلى إعادة تثبيت المبدأ الذي تجاهله لبنان طويلا، أي الدولة أولا، وقرار الحرب والسلم في مؤسساتها، ولبنان خارج صراعات المحاور.

والمفارقة الكبرى أن العودة إلى “إعلان بعبدا” لن تكون عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل. فالإعلان الذي رُفض عندما كان بالإمكان تطبيقه بأقل كلفة، قد يصبح اليوم الإطار الأكثر واقعية للخروج من أزمة تراكمت حتى باتت تهدد جوهر الدولة. يحورون ويمورون ويدورون، لكنهم في النهاية سيعودون إلى “إعلان بعبدا”، لأن المشكلة التي حاولوا تأجيلها لم تختف، بل كبرت، والحل الذي جرى تجاهله لم يفقد صلاحيته، بل ازدادت الحاجة إليه.

أخبار متعلقة :