كتب زياد سامر عيتاني في «اللواء» أن الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في العاصمة الإيطالية روما لا تزال محاطة بالغموض والإرباك الدبلوماسي، في وقت كان يُفترض أن تشكل محطة مفصلية لتثبيت «اتفاق الإطار» الموقّع في 26 حزيران الماضي برعاية أميركية ودولية.
ولم يُحدَّد موعد رسمي للجولة، فيما تتحدث أنباء عن احتمال تأجيلها إلى ما بعد منتصف أيلول. وذكرت القناة الإسرائيلية «12» أن الجولة قد تتأجل إذا لم تُسجّل خطوات عملية ملموسة على الأرض، في حين نفت مصادر أميركية وجود أي تأخير رسمي في اجتماعات روما، ووصفت الأنباء المتداولة عن التأجيل بأنها «معلومات مغلوطة» تروّجها «أطراف سيئة النيّة».
ويعكس هذا التضارب، وفق التقرير، حالة غموض بشأن مصير الجولة، تزامنت مع لقاء عقده رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في القدس مع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، اللذين يتوليان دوراً أساسياً في إدارة المسار التفاوضي، بحسب هيئة البث الإسرائيلية.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن المخاوف من تعطّل المسار التفاوضي جاءت بعد إبلاغ نتنياهو الإدارة الأميركية رسمياً بإجهاض صيغة «المناطق التجريبية» (Pilot Zones) واعتبارها «غير قابلة للتطبيق». وكانت الصيغة تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي ومتحقَّق منه دولياً من قطاعات حدودية محددة، مقابل انتشار الجيش اللبناني والقوى الشرعية حصراً، وقد جرى اختبار نماذجها الأولى في مناطق بينها زوطر الغربية.
وبحسب التقرير، اشترط نتنياهو أولاً انتشار الجيش اللبناني في مناطق غير محتلة، أو إدراج بلدات رئيسية مثل بنت جبيل والخيام ضمن أطر مناورات أمنية معقدة، قبل أن يبلغ واشنطن أخيراً بفشل الفكرة برمّتها. ويرى التقرير أن هذا الموقف وجّه ضربة إلى جوهر «اتفاق الإطار»، وحوّل الآلية التي أُريد لها أن تكون خطوة لبناء الثقة ومدخلاً لوقف العدوان وإعادة الإعمار إلى «فخ تفاوضي» لكسب الوقت.
ويربط التقرير هذا التطور بحسابات نتنياهو السياسية والانتخابية، معتبراً أن إبقاء الجنوب اللبناني تحت سياسة الشريط العازل والنار الدائمة يمنحه وسيلة لرفع أوراق الضغط التفاوضية، وإرضاء الائتلاف الحكومي المتطرف، والتنصل من أي التزام دولي أو أميركي بالانسحاب الكامل حتى حدود الخط الأزرق.
ويتحدث التقرير عن تصعيد ميداني إسرائيلي متزامن مع إجهاض آلية «المناطق التجريبية»، مستنداً إلى تتبّع خرائط القصف والتمشيط الممتد من تلة علي الطاهر الاستراتيجية في قضاء النبطية وصولاً إلى أطراف حولا والمنصوري والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وتولين وعربصاليم وزوطر الشرقية.
ويشمل التصعيد، وفق المادة، غارات جوية وقصفاً مدفعياً وتفجير أحياء سكنية بالكامل وتدمير منازل القادة والمواطنين، إضافة إلى عمليات تمشيط مكثفة بالقذائف الفوسفورية المحرمة دولياً. ويعتبر التقرير أن الهدف من ذلك هو خلق واقع جغرافي وعسكري وسياسي جديد يسبق أي جلسة تفاوضية مستقبلية في روما.
في المقابل، يدرك لبنان الرسمي، بحسب التقرير، أن إبلاغ تل أبيب الإدارة الأميركية بفشل «المناطق التجريبية» والتذرع المستمر بتهديدات المسيّرات يستهدفان تفريغ الاتفاق من مضمونه السيادي والوطني. ويرى أن تحويل القرى والبلدات الحدودية إلى ساحة ابتزاز أمني دائم يسقط فكرة «الأمن المتكافئ»، ويضع الدولة اللبنانية أمام خيارين: القبول بمفاوضات تحت النار تكرّس الاحتلال والواقع المستحدث وتحول الجنوب إلى نموذج عازل شبيه ببعض مناطق الشمال السوري، أو المخاطرة بانهيار المسار الدبلوماسي والدخول في فراغ سياسي وميداني محفوف بمخاطر المواجهة الشاملة.
وجاء الرد اللبناني، وفق التقرير، على لسان رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أعلن أن «الأهداف الرئيسية للمفاوضات هي تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره ومصالحه الوطنية العليا». كما أكدت الرئاسة اللبنانية رفض بقاء الجنوب «منطقة منسية» أو ورقة تفاوض في البازارات الإقليمية والدولية، وشددت على أن «السلاح الذي يحمي الأرض والمواطنين هو سلاح الدولة الشرعي والمؤسسات العسكرية وحدها».
ويركز التحرك الدبلوماسي اللبناني في هذه المرحلة على ثوابت تشمل:
- حصرية السلاح والتنفيذ الشرعي: تكريس انتشار الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في كل شبر من الجنوب لحماية المواطنين، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية التحضيرية لعقد مؤتمر باريس المرتقب لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية لوجستياً ومالياً.
- الالتزام بالقرارات الدولية: رفض التعديلات الأحادية الإسرائيلية على اتفاق الإطار، ومواجهة محاولات اختراع مسميات أمنية بديلة أو تقليص دور القوى الدولية في التحقق والرقابة.
- المسار المستقل: التأكيد أن قضية الجنوب قضية سيادية لبنانية بالكامل، وليست ملحقة بأجندات إقليمية أو أوراق مناورة في ملفات المقايضات الدولية.
ويضع التقرير عقدة الجمود في روما عند الصدام بين رؤيتين للمرحلة الانتقالية والترتيبات الحدودية. فالمقاربة اللبنانية تقوم على انسحاب تدريجي ومتحقَّق منه دولياً لقوات الاحتلال من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، وتكريس حصرية السلاح والسيطرة الميدانية للجيش اللبناني والقوات الأمنية الشرعية. كما تعتبر بيروت أن المسار التفاوضي سيادي ومستقل، ويهدف إلى وقف العدوان، وتسهيل عودة النازحين، وبدء إعادة الإعمار، واستعادة الأسرى والمحتجزين، بعيداً عن منطق «الإسناد» أو الارتهان للساحات الإقليمية.
أما المقاربة الإسرائيلية، بحسب التقرير، فاتخذت من نسف «المناطق التجريبية» ذريعة للمطالبة بـ«ترتيبات أمنية جديدة» توسّع صلاحيات الرقابة الميدانية للجان الدولية وتتيح حرية الحركة العسكرية الوقائية لتل أبيب داخل الأراضي اللبنانية. ويترافق ذلك مع ضغوط دولية لنزع السلاح وتفكيك البنى التحتية شرطاً مسبقاً لأي انسحاب، وهو ما يعتبره لبنان مساساً باستقلالية قراره الوطني ومحاولة لفرض شروط استسلام سياسي تحت غطاء الترتيبات الحدودية.
ويضيف مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل» بُعداً آخر إلى التعقيدات، إذ تنتهي ولايتها الحالية أواخر عام 2026. وبحسب مصادر متابعة، ترفض إسرائيل المقترحات المطروحة، سواء لتمديد ولاية يونيفيل أو إيجاد آلية بديلة، وتصر على أن تكون الجهة الوحيدة المتحكمة بالترتيبات الميدانية، وهو ما يرفضه لبنان باعتباره مساساً بسيادته.
ويزيد الانفجار الميداني الإقليمي من تعقيد مسار روما، مع توالي الضربات والاشتباكات المباشرة في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز واستهداف مواقع استراتيجية، ما يضيّق هامش الدبلوماسية التقليدية. ورغم محاولات المراجع الرسمية في بيروت عزل الساحة اللبنانية عن الصراع الإقليمي، يهدد التداخل بين الساحات بتطويق «اتفاق الإطار» وتحويله إلى ضحية ثانوية في مواجهة أوسع وأكثر خطورة.
وتخشى القوى الدولية الراعية، وفي مقدمها الولايات المتحدة وإيطاليا، من أن يؤدي إلغاء آليات الاختبار الميداني والغياب الطويل لجولات التفاوض المباشرة إلى تجويف اتفاق حزيران من مضمونه، رغم التصريحات الأميركية الإعلامية المتكررة بشأن الحرص على منع الانهيار.
وبحسب التقرير، يضع تعطّل مسار روما وإبلاغ نتنياهو نيته نسف صيغة «المناطق التجريبية» اتفاق الإطار أمام أخطر اختبار منذ توقيعه: فإما أن تنجح واشنطن والوسطاء الدوليون في لجم الاندفاعة الإسرائيلية وفرض جدول زمني ملزم يعيد الحياة إلى المسار الدبلوماسي ويؤمّن الانسحاب الكامل وفق القرارات الدولية، وإما أن يتحول الاتفاق إلى «هندسة للرماد» تغطي تصعيداً عسكرياً أوسع يعيد المنطقة إلى المواجهة المفتوحة ويقضي على فرص التعافي والاستقرار الوطني.
أخبار متعلقة :