كتب داود رمال في «نداء الوطن» أن ما جرى في مرتفعات علي الطاهر لم يعد يُقرأ بوصفه تطورًا ميدانيًا في المواجهة المفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله»، بل تحول إلى محطة كاشفة لأزمة الحزب داخل بيئته وعلى المستويين الوطني والخارجي.
وبحسب رمال، فإن السقوط السريع للمرتفعات، بعدما رُوّج لها طويلًا باعتبارها موقعًا عصيًا على الاحتلال، أعاد طرح سؤال حول الجهة التي تقرر في الملفات العسكرية المصيرية: القيادة اللبنانية أم القرار الإيراني؟ كما طرح تساؤلًا عن امتلاك قيادة «حزب الله» هامشًا مستقلًا لاتخاذ قراراتها، أم أن دورها بات أقرب إلى إدارة قرار يأتي من طهران، وتحديدًا من دوائر الحرس الثوري الإيراني.
وتعود أهمية هذه المسألة، وفق المقال، إلى حزيران الماضي، حين هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخوض معركة للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر. وفي تلك الفترة، أجرى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اتصالًا بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اقترح خلاله أن يتولى الجيش اللبناني تسلّم المرتفعات، بما كان سيجنب المنطقة معركة جديدة ويضع موقعًا استراتيجيًا تحت سلطة الدولة اللبنانية.
ويشير رمال إلى أن المعطيات المؤكدة تفيد بأن روبيو تجاوب سريعًا مع الطرح اللبناني، وتمكن من الحصول على موافقة إسرائيلية عليه، قبل بدء التواصل مع «حزب الله»، الذي رفض، من دون مسوّغ منطقي ومقنع، تسليم المرتفعات إلى الجيش.
ويرى المقال أن المفارقة تمثلت في أن ماكينة الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بإيران في لبنان بدأت، بعد رفض الحزب تسليم الموقع، الترويج لمعادلة مفادها أن علي الطاهر امتداد لمضيق هرمز، وأن إيران لن تبقى صامتة، وأن المرتفعات عصية على الاحتلال. إلا أن النتيجة جاءت معاكسة، إذ سقطت المرتفعات بيد إسرائيل التي أقامت فيها مواقع ثابتة تمهيدًا، وفق المعطيات الميدانية المتداولة، لتفخيخ الأنفاق وتدميرها، من دون أن تحرك إيران ساكنًا أو تعلن موقفًا، ولو عرضيًا.
ويطرح رمال سؤالًا عن سبب رفض «حزب الله» تسليم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، مفضلًا وصول إسرائيل إليه واحتلاله بالكامل. ويعتبر أن التفسير السياسي لا يبدو مقنعًا خارج معادلة السلاح والشرعية، إذ إن قبول الحزب تسليم موقع استراتيجي للجيش في شمال الليطاني كان سيشكل إقرارًا عمليًا بانتهاء مرحلة ازدواجية القرار العسكري والأمني، وربما مقدمة لتسليم منشآت ومواقع أخرى تباعًا إلى الدولة.
ويضيف أن هذا ما يبدو أن الحزب يريد تجنبه، بعدما تعرضت بنيته العسكرية في جنوب الليطاني لضربات إسرائيلية واسعة، وحولت الحرب أجزاء واسعة من مدن وبلدات وقرى الجنوب إلى مناطق مدمرة. وفي هذه المعادلة، قد يتحول الاحتلال الإسرائيلي، خلافًا للمنطق والمصلحة اللبنانية العليا، إلى ذريعة لاستمرار السلاح خارج الدولة؛ فكلما اتسعت رقعة الاحتلال، أمكن للحزب القول إن «المقاومة» لا تزال ضرورية، فيما يؤدي رفض تسليم المواقع إلى الجيش عمليًا إلى إضعاف الدولة وتعزيز الحجة الإسرائيلية في التوسع.
ويحذر المقال من أن المسار قد لا يتوقف عند علي الطاهر، إذ قد تتجه إسرائيل، إذا استمرت المعادلة الحالية، إلى استكمال السيطرة على مرتفعات استراتيجية وصولًا إلى تومات جزين، بما يعيد إلى الذاكرة شريطًا جغرافيًا شبيهًا، من حيث الوظيفة الاستراتيجية، بما كان قائمًا قبل الانسحاب الإسرائيلي في 25 أيار 2000. ومن شأن ذلك منح إسرائيل أوراق ضغط إضافية على الدولة اللبنانية، وتهديد جبل عامل بمزيد من التدمير، فضلًا عن خلق واقع جغرافي وعسكري يفصل الجنوب عن البقاع وبيروت عبر السيطرة النارية على المحاور الحيوية.
ويخلص رمال إلى أن هذا السيناريو لم يعد فرضية نظرية، بل مسارًا قابلًا للتدرج ما دام القرار اللبناني عاجزًا عن فرض نفسه، وما دام «حزب الله» يرفض حسم خياره بين مشروع الدولة ومشروع السلاح. ويعتبر أن اللحظة الفاصلة لا تتعلق بكيفية مواجهة إسرائيل عسكريًا فحسب، بل بأن يبدأ الحزب بالتعامل والتحدث بصفته مكونًا لبنانيًا، وأن يصبح القرار العسكري والأمني لبنانيًا حصرًا. وإلا فإن كل موقع يسقط خارج سلطة الدولة لن يكون خسارة ميدانية فحسب، بل خطوة إضافية في انهيار التوازن الوطني وهزيمة مزدوجة يدفع ثمنها لبنان، فيما يحتفظ الآخرون بأجنداتهم ومصالحهم حتى لو كانت خاتمتها الانتحار.
أخبار متعلقة :