كتبت بولا اسطيح في «الشرق الأوسط» أن استقبال الجيش اللبناني في مدينة النبطية الجنوبية، عبر نثر الأرز على عناصره وتوزيع الحلويات عليهم، عكس مشهداً غير مألوف في أحد أبرز معاقل «حزب الله» في الجنوب، بعدما كثّف الجيش حضوره وانتشاره في المدينة خلال الأيام الماضية.
وأثار هذا المشهد تساؤلات حول ما إذا كانت الحماسة تعكس تبدلاً في المزاج العام داخل بيئة الحزب، وما إذا كان انتشار الجيش يشكل فرصة لإعادة وصل أبناء المنطقة بالدولة ومؤسساتها، بعد سنوات من هيمنة الحزب على القرارين الأمني والعسكري في مناطق واسعة من الجنوب.
وحظي انتشار الجيش بترحيب رسمي أيضاً. وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون، في مستهل جلسة مجلس الوزراء الخميس: «لقد وصلت إلينا نداءات أهلنا في النبطية وصور وعربصاليم. وأريد أن أتوجه إليهم بالقول: لقد أصغينا إلى نداءاتكم، ونحن إلى جانبكم، ولا يمكننا قطعاً أن نكون بعيدين عنكم. كما لا يمكننا إلا أن نبذل أقصى الجهود لنبقى إلى جانبكم ومساعدتكم، وتأمين كل مقومات صمودكم قدر المستطاع. لقد آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب. هذه مسؤوليتنا جميعاً، وهذا واجبنا تجاه أهلنا؛ فالجنوب هو الجزء الأساس من لبنان، وعلى كل وزارة أن تقدم ما لديها، لنؤكد وقوفنا إلى جانب أهلنا من دون أي تقصير».
ترحيب شعبي بالجيش
وبحسب قراءات متابعين وأبناء المنطقة، لا تبدو الحفاوة بالجيش بسيطة أو محسومة الدلالة؛ إذ قد تعبّر في جانب كبير منها عن حاجة متزايدة إلى الأمان والحماية بعد حرب أنهكت الجنوب، أكثر مما تشكل إعلاناً صريحاً عن تحول سياسي أو فك ارتباط بـ«حزب الله». إلا أن انتقال الجيش إلى موقع يُنظر إليه باعتباره الجهة القادرة على توفير الحماية، واستقبال عناصره بهذا القدر من الترحيب، «قد يشكل مؤشراً يستحق التوقف عنده في بيئة لطالما ارتبطت وجدانياً وسياسياً بالحزب».
«نريد الجيش أن يبقى»
يقول أحد تجار الفاكهة والخضار في النبطية إن انتشار الجيش «جعلنا نشعر بنوع من الاطمئنان، لأن وجود الجيش يعطينا إحساساً بأن إسرائيل قد لا تواصل استهدافنا بالطريقة نفسها». لكنه يبدي في الوقت نفسه خشية من تكرار سيناريو شهدته بلدات أخرى في الجنوب، حيث ينتشر الجيش لفترة ثم ينسحب، تاركاً السكان أمام مصير مجهول.
وأضاف التاجر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما نريده ليس فقط أن يدخل الجيش، بل أن يبقى». ويرى أن المطلوب هو تثبيت وجود الدولة ودورها بصورة مستمرة، لأن السكان يريدون جهة «نعرف أنها موجودة إلى جانبنا، ويمكن أن نحتمي بها».
ويعتبر التاجر أن الدولة اليوم «أمام اختبار فعلي لتثبيت وجودها وتثبيت دورها، حتى يتخلى الناس عن خيارات أخرى»، مضيفاً: «صحيح كثيرون عادوا إلى النبطية، لكن الأكثرية هنا ليست مطمئنة تماماً، ولا تزال تنتظر من الدولة ممثلة بالجيش أن تثبت قدرتها على حمايتهم».
رغبة في الخروج من المراوحة
من جهته، يقول الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد إن «الوضع الذي وصل إليه الجنوب ومدينة النبطية، وانسداد الأفق، سواء أكان نتيجة أداء (حزب الله) أو الإجرام الإسرائيلي؛ ما جعل المدينة مهددة بشكل كبير بالتدمير، هو ما أدى عملياً لاستقبال الناس هناك الجيش بحفاوة بتعبير صادق عن رغبة في الخروج من المراوحة القاتلة والمدمرة».
ويرى مراد أن استمرار المعادلة الحالية يضع سكان الجنوب أمام خطر متواصل، خصوصاً أن «كل مرة يرفض فيها (حزب الله) الانسحاب من منطقة وتسليمها للجيش ويصرّ على البقاء فيها، يعطي ذلك مبرراً للعدو الإسرائيلي لتدميرها». لذلك، لا يقرأ مراد في استقبال أهل النبطية للجيش «مجرد موقف عابر»، بل يعتبره تعبيراً عن رغبة في تعزيز حضور الدولة.
وأضاف مراد لـ«الشرق الأوسط»: «الناس يريدون أن يتم تعزيز حضور الجيش، وأن يكون أفضل مما كان عليه سابقاً. هم يبحثون عن شبكة خلاص ممثلة بالدولة وبمؤسساتها».
ويحمّل مراد الدولة مسؤولية كبيرة في المرحلة المقبلة، معتبراً أنها مطالبة «بتعزيز حضورها على المستويات كافة، خصوصاً على المستويين الأمني والعسكري داخل مدينة النبطية، وكل مناطق وبلدات الجنوب التي لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي».
ويرى أن المطلوب أن يدخل الجيش إلى هذه المناطق «ويبسط سلطته فيها، من خلال التأكد من خلوها من السلاح»، وإلا فإن الجنوب، وفق تقديره، سيبقى «أسير معادلة التدمير التي يفرضها الإسرائيلي في ظل الاختلال الهائل في الموازين العسكرية».
التخلي عن الحزب يحتاج إلى وقت وطمأنة وأداء فعال
أما الناشطة السياسية والدكتورة في علم النفس في الجامعة اللبنانية في بيروت منى فياض، فتقول إن الحماسة التي ظهرت في النبطية لا تعني بالضرورة أن أبناء المنطقة حسموا موقفهم السياسي من «حزب الله». وترى أن «الحفاوة التي رأيناها هي محاولة لطمأنة أنفسهم بأن وجود الجيش قد يمنع إسرائيل من استكمال هدم منازلهم واحتلال أرضهم».
وتضيف فياض: «يبدو أن أبناء المنطقة وصلوا إلى قناعة بأن عدم وجود الدولة الممثلة بالجيش، ووجود حزب الله وحيداً، الذي بات ينسحب ولا يواجه لأنه غير قادر على الدفاع عن نفسه، واقع لم يعد يصب لمصلحتهم على الاطلاق».
وترى فياض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «تغييراً في الموقف»، لكنها تستدرك بأنه «ليس إلى مستوى إعلانهم بصراحة أن حزب الله لا يمثلهم». وبحسب قراءتها، يتمثل الهاجس الأساسي للسكان في «إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية»، فيما يبقى موقفهم السياسي من الحزب «ثانوياً» في المرحلة الراهنة.
وتشير فياض إلى أن أبناء المنطقة يريدون أولاً التأكد من أن الجيش الذي انتشر في مناطقهم «قادر حقيقة على حمايتهم»، وأنه سيقدم فعلياً على تنفيذ المهمة الأكثر حساسية، وهي نزع سلاح «حزب الله». وتخلص إلى أن «تغيير موقفهم كلياً يتطلب وقتاً وطمأنة وأداءً فعالاً من قبل الجيش».
وبذلك، قد لا تكون الحلوى التي وُزعت على الجنود أو الأرز الذي نُثر على آلياتهم مجرد مشاهد احتفالية عابرة، بل تحمل، في أحد وجوهها، رسالة إلى الدولة: «نحن نريدكم هنا، لكننا نريد أن تبقوا هنا أيضاً».
أخبار متعلقة :