نبض لبنان

من 11 أيلول إلى لبنان: كيف أعادت واشنطن تعريف التهديد؟

كتبت جوسلين البستاني في «نداء الوطن» أن العودة إلى العقيدة الأمنية الأميركية التي نشأت بعد هجمات 11 أيلول 2001، وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا عليها، تظهر انتقال واشنطن من ملاحقة منفذي الإرهاب إلى مساءلة الدول التي تموّل الجماعات المسلحة أو تؤويها. وانعكس هذا التحول على مقاربتها لإيران و«حزب الله» ولبنان بعد عام 2005.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة اعتبرت إيران أو «حزب الله» مسؤولين عن هجمات 11 أيلول، إذ لا توجد أدلة تثبت أن طهران أمرت بها أو خططت لها أو شاركت في تنفيذها. لكن لجنة 11 أيلول خلصت إلى وجود أدلة جوهرية على أن السلطات الإيرانية سهّلت عبور عناصر من تنظيم «القاعدة» عبر إيران قبل وقوع الهجمات.

وبحسب ما أوردته اللجنة، يبدو أن ما بين ثمانية وعشرة من أصل أربعة عشر عنصرًا سعوديًا من مجموعة «القوة التنفيذية» المكلّفة بالسيطرة على الطائرات، دخلوا إيران أو غادروها بين تشرين الأول 2000 وشباط 2001. كما وجدت اللجنة أدلة ظرفية تشير إلى أن عناصر من «حزب الله» كانوا يتابعون عن كثب تحركات بعض هؤلاء الذين أصبحوا لاحقًا من منفذي الهجمات.

ولم يثبت أن إيران كانت شريكة في التخطيط لهجمات 11 أيلول، لكن ذلك لا يعني أنها كانت بعيدة من البيئة الإقليمية التي تحرك فيها تنظيم «القاعدة» قبل الهجمات.

وكانت علاقة إيران بالجماعات الإرهابية، وفق المادة، سابقة لأحداث 11 أيلول. فقد وجدت لجنة 11 أيلول أدلة قوية على تورط إيران في تفجير أبراج الخبر عام 1996، الذي أسفر عن مقتل 19 أميركيًا، وحددت «حزب الله السعودي»، المدعوم من إيران، بوصفه المسؤول الرئيسي عن الهجوم.

لذلك، لم يكن مفهوم «رعاية الدولة للجماعات المسلحة» جديدًا على التفكير الأميركي قبل عام 2001، إلا أن هجمات 11 أيلول غيّرت أهمية هذا المفهوم وجعلته جزءًا أساسيًا من العقيدة الأمنية الأميركية. فأصبحت واشنطن تنظر إلى العلاقة بين الإرهابيين والدول التي تؤويهم أو تسلّحهم بطريقة مختلفة.

وفي خطابه أمام الكونغرس بعد أيام من الهجمات، أعلن الرئيس جورج بوش أن الأنظمة التي تؤوي الإرهابيين أو تدعمهم ستُعامل بوصفها جزءًا من التهديد نفسه، وكانت أفغانستان أول تطبيق عملي واضح لهذا التحول. ثم تكرّس هذا التوجه في خطاب «محور الشر» عام 2002، حين صنّف بوش إيران إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، متهمًا طهران بتصدير الإرهاب، ووضع «حزب الله» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» ضمن الجماعات التي تشكل جزءًا من شبكة الإرهاب التي تواجهها الولايات المتحدة.

وتشير المادة إلى أن إيران لم تُدرج في هذا الإطار بسبب دور مثبت لها في هجمات 11 أيلول، بل بسبب دعمها لجماعات مسلحة تصنّفها الولايات المتحدة إرهابية. وهكذا لم يعد السؤال الأميركي مقتصرًا على منفّذ الهجوم، بل شمل أيضًا من يمول الفاعلين أو يسلّحهم أو يوفر لهم الدعم والملاذ، ومن يستخدمهم لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية.

ومع اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، انتقل هذا الإطار الاستراتيجي من مستوى التهديدات الإقليمية إلى الواقع اللبناني. وأصبحت مسألة الدولة والسيادة ووجود قوة مسلحة مدعومة من الخارج جزءًا من طريقة واشنطن في قراءة الأزمة اللبنانية.

وترى البستاني أن الاستجابة الأميركية للاغتيال، والضغط السريع من أجل انسحاب سوريا، واحتضان «ثورة الأرز»، وإعادة تأطير لبنان باعتباره ساحة مواجهة في صراع إقليمي أوسع، يصعب فهمها من دون التحول العقائدي الذي أحدثته أحداث 11 أيلول في واشنطن. إلا أن العلاقة، بحسب المادة، ليست سببية بالمعنى البسيط، بل تعكس مسارًا من التطور الاستراتيجي.

وتحذّر المادة من القول إن الولايات المتحدة خلصت فورًا إلى تحديد المسؤول عن اغتيال الحريري. ففي أعقاب الجريمة، ركزت واشنطن بصورة أساسية على سوريا، التي كانت لا تزال تحتفظ بقوات عسكرية ونفوذ سياسي واسع في لبنان، بينما تُرك للتحقيق الدولي تحديد الجهة المسؤولة.

وفي هذا السياق، برزت خصوصية «حزب الله»، الذي مثّل نموذجًا مختلفًا عن تنظيم «القاعدة». فلم يكن مجرد منظمة مسلحة تعمل خارج الدولة، بل جمع بين القوة العسكرية والتنظيم السياسي والشبكات الاجتماعية والإعلامية، بوصفه فاعلًا مرتبطًا بإيران ويعمل من داخل النظام السياسي اللبناني.

وبحلول عام 2006، أصبحت لغة واشنطن أكثر وضوحًا، إذ وصف الرئيس الأميركي «حزب الله» بأنه تنظيم تدعمه إيران وتموّله وتسلّحه، ورأت الإدارة الأميركية فيه أداة تتيح لطهران التأثير في لبنان والصراع الإقليمي.

وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا، قد يكون ذلك أحد أهم الدروس التي تربط 11 أيلول بلبنان، إذ تجاوزت ساحة الصراع مواجهة الإرهاب وحده لتصبح صراعًا على من يملك المجال السياسي، ومن يحدد الشرعية، ومن يؤثر في الطريقة التي يفسر بها المجتمع الأحداث من حوله.

وبذلك، فإن قصة لبنان بعد 11 أيلول ليست مجرد فصل من «الحرب على الإرهاب»، بل جزء من تحول أوسع في طبيعة القوة في الشرق الأوسط، من قوة تمارسها الدول مباشرة إلى قوة تمارسها شبكات تجمع بين الدولة والوكيل، والسلاح والسياسة.

أما ما وفرته أحداث 11 أيلول لواشنطن، فكان إطارًا استراتيجيًا جديدًا مفاده أن الدعم الخارجي للفاعلين المسلحين من خارج مؤسسات الحكم يمكن أن يشكل تهديدًا بحد ذاته، وأن التعامل معه يتطلب النظر ليس فقط إلى من ينفذ العنف، بل أيضًا إلى من يمكّنه ويدعمه. وهذا الإطار هو ما يربط بين «Ground Zero» ولبنان بعد ربع قرن.

أخبار متعلقة :