نبض لبنان

تصريح إسرائيلي يرسم «منطقة أمنية» من الساحل إلى جبل الشيخ

كتبت د. بولا أبي حنا في «نداء الوطن»:

ليست كل التصريحات العسكرية مجرد وصف لما يجري على الأرض؛ فبعضها يرسم، بكلمات قليلة، خريطة سياسية وأمنية جديدة. وهذا ما يفعله تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي حين يقول إن إسرائيل أصبحت تملك «منطقة أمنية تمتد من الساحل غربًا إلى الشقيف إلى جبل الشيخ شرقًا».

قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، توصيفًا للانتشار العسكري الإسرائيلي، لكنها تحمل دلالة أوسع، إذ تعيد إسرائيل تعريف المجال الذي تعتبره جزءًا من أمنها، حتى عندما يقع خارج حدودها المعترف بها دوليًا.

ومن الساحل إلى الشقيف وصولًا إلى جبل الشيخ، يظهر قوس جغرافي واسع لا يمكن اختزاله في موقع عسكري أو عملية محددة. إنه تصور أمني يربط نقاطًا متباعدة ضمن مساحة واحدة، ويتعامل مع جغرافيا لبنان وسوريا من زاوية أمنية إسرائيلية تتجاوز الحدود السياسية بين الدول.

وتكمن أهمية المصطلح نفسه في أن إسرائيل لا تتحدث عن موقع عسكري احتلته أو عن عملية تنتهي بانتهاء مهمتها، بل عن «منطقة أمنية». فالموقع قد يكون هدفًا عسكريًا موقتًا، أما المنطقة الأمنية فتتحول إلى واقع مستمر تُحدد داخله الحركة والوجود العسكري ومفهوم التهديد وشروط الانسحاب.

وهذا فرق جوهري بين حماية الحدود وإنشاء عمق أمني خارجها. فالدولة التي تدافع عن حدودها من داخل أراضيها تتحرك ضمن مفهوم تقليدي للسيادة، أما عندما يصبح الأمن مبررًا للوجود العسكري في أرض دولة أخرى، فإن مفهوم الحدود نفسه يدخل مرحلة جديدة من الاختبار.

من هنا تكتسب مواقع مثل علي الطاهر والشقيف معنى يتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة. فأهميتها لا تُقاس فقط بما تحتويه من منشآت أو أنفاق، بل أيضًا بموقعها ضمن شبكة جغرافية أوسع. وقد تبدو التلة محدودة إذا نُظر إليها منفردة، لكنها تتحول إلى عقدة استراتيجية عندما تُقرأ ضمن قوس يمتد من الساحل إلى جبل الشيخ.

ويضع ذلك ما جرى في علي الطاهر ضمن صورة أكبر؛ فقد يكون الموقع مهمًا ليس لذاته فقط، وإنما للدور الذي يؤديه في تثبيت واقع أمني أوسع. وهنا تنتقل المسألة من السيطرة على نقطة إلى إعادة تشكيل وظيفة منطقة كاملة.

وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في التصريح الإسرائيلي: الحديث عن مساحة أمنية تمتد عبر جغرافيا لبنانية وسورية، وكأن الحدود الدولية لا تشكل وحدها حدود المجال الذي يمكن لإسرائيل أن تعتبره ضروريًا لأمنها.

يرسم القانون الدولي حدود الدول، غير أن موازين القوة قد تخلق واقعًا آخر على الأرض. فالسيادة لا تُقاس فقط بالعلم والخرائط والاتفاقيات، بل أيضًا بمن يملك القرار الفعلي: من يحدد التهديد، ومن يراقب الأرض، ومن يقرر متى يتحرك عسكريًا، ومن يملك القدرة على البقاء فيها.

وهنا تظهر فكرة السيادة الفعلية. فقد تبقى الأرض، قانونًا، تابعة لدولة معينة، فيما تصبح القدرة على التحكم بأمنها وحركتها العسكرية بيد قوة أخرى. وعندها لا تختفي السيادة القانونية، لكنها تصبح منقوصة في الممارسة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يكون تعريف «المنطقة الأمنية» قابلًا للتمدد. فإذا كان وجود القوات مرتبطًا بتقدير إسرائيل للخطر، فإن مساحة التدخل تصبح مرتبطة أيضًا بتعريفها لهذا الخطر. وقد يؤدي ظهور قدرة عسكرية جديدة إلى إنتاج تهديد جديد، فيما قد يقود تغير طبيعة التهديد إلى توسيع المجال الذي تعتبره إسرائيل ضروريًا لأمنها. ومن دون معايير واضحة ومتفق عليها لنهاية المهمة، يمكن أن تتحول «الموقتية» إلى واقع طويل الأمد.

من هذه الزاوية، يصبح تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي أكثر من إعلان عسكري؛ فهو يطرح عمليًا فكرة الحدود الأمنية المتحركة: تبقى الحدود الدولية ثابتة في القانون، فيما يمكن أن تتمدد حدود الأمن وفق تقدير القوة العسكرية واحتياجاتها.

وهنا تحديدًا تصبح المسألة اللبنانية أكثر تعقيدًا. فرفض أي وجود أو توسع عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية موقف سيادي وقانوني لا يحتاج إلى تبرير. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع لبنان استعادة سيادته الكاملة من دون استعادة احتكاره للقرار الأمني والعسكري. وهاتان حقيقتان لا تلغي إحداهما الأخرى.

في هذا السياق يأتي «حزب الله» عاملًا أساسيًا في المشهد، لا باعتباره تفسيرًا لكل ما تفعله إسرائيل، ولا باعتبار أن وجود سلاحه يمنحها أي حق في انتهاك السيادة اللبنانية. فإسرائيل تربط انتشارها وعملياتها بما تعتبره تهديدًا مصدره «الحزب»، فيما يستخدم «الحزب» استمرار التهديد الإسرائيلي لتبرير احتفاظه بسلاحه وقدرته العسكرية خارج القرار الحصري للدولة.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: سلاح خارج الدولة يُستخدم لتبرير استمرار منطق المواجهة، ومنطق المواجهة يُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج الدولة، فيما تستفيد إسرائيل من استمرار هذا الواقع في بناء خطاب أمني يتجاوز حدودها.

ولا يجوز تحويل هذه الدائرة إلى معادلة تبرير متبادل. فإسرائيل لا تمنح أي جهة لبنانية حق احتكار قرار الحرب والسلم، كما أن وجود سلاح خارج الدولة لا يمنحها حق تحويل الأراضي اللبنانية إلى مجال أمني مفتوح.

المشكلة في الحالتين هي إضعاف الدولة. فكلما عجزت الدولة عن أن تكون المرجعية الوحيدة في الأمن والدفاع، أصبح من الأسهل على قوة خارجية أن تقدم تدخلها بوصفه ضرورة أمنية، وعلى قوة داخلية أن تقدم سلاحها بوصفه ضرورة وطنية. والنتيجة أن لبنان يفقد تدريجيًا القدرة على أن يحدد بنفسه معنى أمنه وحدود سيادته.

لهذا فإن استعادة الدولة قرارها ليست مجرد مسألة دستورية أو سياسية داخلية، بل هي أيضًا شرط لمنع الآخرين من رسم المجال الأمني للبنان نيابة عنه. ويحتاج لبنان إلى أن يكون صاحب تعريف أمنه وحدوده ومصالحه، لا إسرائيل ولا «حزب الله» ولا أي قوة إقليمية أخرى.

وأخطر ما في تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ليس فقط اتساع المساحة التي تحدث عنها، وإنما الطريقة التي قدم بها هذه المساحة كأنها واقع أمني قائم. فالوقائع التي تُفرض بالقوة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى وقائع سياسية، ثم إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

ولا تحتاج الدول دائمًا إلى تعديل الخرائط كي تغيّر الجغرافيا؛ إذ يكفي أن تصبح قادرة على تحديد أين تتحرك، وأين تضرب، وأين تمنع الآخرين من الوجود.

لذلك لا يمكن المرور عابرًا على العبارة: «من الساحل إلى الشقيف إلى جبل الشيخ». فهي ليست مجرد مسافة جغرافية، بل تصور لمجال أمني جديد يمتد عبر حدود دولية ويعيد ترتيب العلاقة بين الأرض والأمن والسيادة.

ويبقى أمام لبنان استحقاقه الأساسي: تحويل السيادة من مفهوم قانوني إلى ممارسة فعلية؛ أي أن يكون القرار الأمني والعسكري للدولة وحدها، وأن تكون حدود لبنان هي الحدود التي تحميها الدولة اللبنانية، لا الحدود التي تعيد قوة أخرى رسمها وفق تعريفها الخاص للخطر.

من الساحل إلى جبل الشيخ، رسم وزير الدفاع الإسرائيلي في كلامه مساحة أمنية واسعة. أما لبنان فلا يحتاج إلى منطقة أمنية جديدة؛ بل يحتاج إلى دولة.

أخبار متعلقة :