كتب زياد عيتاني في «اللواء» أن تفجير أنفاق «علي الطاهر» يتجاوز كونه خبراً ميدانياً عابراً، معتبراً أن أهمية التوقيت واختيار هذا المرتفع الاستراتيجي المطل على النبطية ومحيطها يرتبطان بحسابات إسرائيلية أوسع من مجرد إنهاء بنية تحتية عسكرية.
ويرى عيتاني أن ما شهدته المنطقة قد يشكل حجر زاوية في إعادة صياغة النفوذ في الجنوب، عبر الانتقال من السيطرة الجغرافية المباشرة، المتمثلة بـ«المنطقة الصفراء»، إلى نموذج أكثر مرونة وتخفياً من السيطرة الأمنية والاستخبارية، يُعبَّر عنه بـ«المنطقة الرمادية».
وبحسب الكاتب، يحتاج الاحتلال العسكري المباشر إلى قوات على الأرض ونقاط انتشار وخطوط إمداد، إضافة إلى كلفة بشرية وسياسية، فيما لا تتطلب السيطرة الرمادية بالضرورة هذه العناصر، بل يكفي أن تمتلك إسرائيل عيوناً في السماء، ومعلومات استخبارية على الأرض، وقدرة صاروخية وجوية جاهزة للتدخل متى رأت أن خطاً أمنياً جرى تجاوزه.
«علي الطاهر»: سقوط الجغرافيا الصلبة وانكشاف المنظومة
تكتسب تلة «علي الطاهر» وزنها العسكري، وفق عيتاني، من كونها نقطة حسم جغرافية تشرف مباشرة على محيط النبطية، وإقليم التفاح، وقلعة الشقيف، والمسارات المؤدية إلى عمق الجنوب. وقد جعلتها هذه الطبيعة مركزاً لـ«الحاكمية البصرية والنارية»، بما تمنحه السيطرة عليها من قدرة على كشف الحركة الميدانية والتحكم بالمحاور المقابلة.
ولا تقتصر أهمية التلة على موقعها، بل تمتد إلى ما يوجد تحت الأرض. ففي الحساب العسكري والاستخباري، تكشف الأنفاق عن بنية معقدة تشمل:
- عقد القيادة والتحكم، لإدارة العمليات والتوجيه الميداني.
- الشبكات اللوجستية، وهي مسارات اتصال وتخزين استراتيجية مخبأة داخل الطبقات الصخرية الصلبة للتكيف مع القصف الجوي.
- نقاط المناورة، لإعداد الهجمات الارتدادية وتسهيل الحركة بين الأودية.
ويعتبر الكاتب أن اعتماد خطة التفجير الشامل لشبكة الأنفاق العميقة يعكس قراراً استراتيجياً يتجاوز تدمير منشأة عسكرية عابرة، باعتباره محاولة لتعطيل «الجغرافيا الصلبة» نفسها وإلغاء قيمتها الاستخدامية، وإغلاق الباب أمام إعادة بناء منظومة عسكرية تقوم على التخفي والتحصين تحت الأرض وفوقها.
من «المنطقة الصفراء» إلى «الخط الرمادي»
تعبّر «المنطقة الصفراء» في الأدبيات السياسية والعسكرية، بحسب المادة، عن نطاق أمني مضبوط باتفاقات مرحلية، مثل القرار 1701، ويفترض خطوط تراجع محددة ونشر القوات الرسمية، أي الجيش اللبناني واليونيفيل، لضمان الانتظام المدني وتحييد السلاح غير الرسمي. إلا أن هذه الصيغة تصطدم بالمعارضة اللبنانية لأي وجود دائم، والضغوط الدولية، وكلفة التمركز البري الثابت أمام حرب عصابات استنزافية.
ومن هنا، يطرح عيتاني توجه الاستراتيجية الإسرائيلية نحو فرض «منطقة رمادية» بديلاً أكثر ملاءمة، وهي مساحة لا تحتاج إلى حضور عسكري مباشر ومستقر، بل تعتمد على السيطرة النارية المطلقة والتفوق الاستخباري الجوي.
ويتحقق هذا التحول، وفق الكاتب، عبر آليتين رئيسيتين:
- التحكم عبر «القدرة» لا «الوجود»: الاستغناء عن إبقاء الجنود في الموقع، مع الاحتفاظ بقدرة دائمة على منع أي نشاط عسكري وتوجيه ضربات فورية إلى أي تحرك هندسي أو لوجستي فور رصده.
- فرض قواعد اشتباك غير معلنة: تحويل «علي الطاهر» ومحيطها إلى خط رمادي عملي يمنع إعادة بناء الأنفاق أو البنية التحتية العسكرية، ويجهض أي محاولة لتغيير المعادلة الميدانية من دون إعلان حدود رسمية جديدة على الخريطة.
«المنطقة الرمادية»: سيادة منقوصة وعزلة مستدامة
تكمن خطورة «المنطقة الرمادية»، بحسب عيتاني، في كونها نموذجاً أكثر استدامة وأقل كلفة من الاحتلال التقليدي. ففي حين يفرض الاحتلال المباشر مواجهة سياسية وعسكرية صريحة، يتيح الانسحاب البري مع الإبقاء على التفوق الجوي والاستخباري فرض معادلة تتأرجح بين «الانسحاب الفعلي» و«السيطرة المستترة».
ويضع هذا الواقع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ سيادي، يتبلور في ثلاث نقاط:
- تفريغ السيادة من مضمونها: استعادة الأرض شكلياً ونشر الجيش اللبناني ميدانياً، مقابل بقاء المجالين الجوي والناري تحت التحكم الإسرائيلي المباشر، بما يحرم الدولة من قرارها الأمني الكامل.
- إدارة المنطقة العازلة بالنار: تجنب المشكلات السياسية الناجمة عن الاحتلال المباشر لمرتفعات ذات قيمة استراتيجية مثل «علي الطاهر»، عبر تحويل محيطها إلى منطقة عازلة غير معلنة تُدار بالاستطلاع والدقة النارية.
- منع إعادة تشكيل ميزان القوى: إجهاض أي محاولة لإعادة بناء الممرات والأنفاق أو استغلال الطبيعة الجغرافية للمرتفعات، بما يكرس «حقاً مفترضاً» في التدخل والضرب الوقائي.
وبذلك، تجسد «علي الطاهر»، وفق المادة، جوهر خيار استراتيجي ثالث: لا احتلال جغرافي دائم يثير الحساسيات، ولا انسحاب أمني كامل يمنح الطرف الآخر فرصة التعافي، بل سيطرة مستدامة تُدار بالنار والاستخبارات.
«الواقع الرمادي»: استنزاف مفتوح بلا استقرار
ويجسد تدمير أنفاق «علي الطاهر» وإبقاء مرتفعاتها تحت السيطرة النارية للمسيّرات والمدفعية، بحسب عيتاني، انتقالاً عملياً من صيغة «الضبط الأصفر» المحددة سياسياً إلى «الواقع الرمادي» المحفور بالمتفجرات.
ورغم أن هذا التكتيك يحقق لإسرائيل غاية مرحلية تتمثل في تجريد التلة من قيمتها العسكرية وإرغام القوات الرسمية على الوجود في جغرافيا منزوعة القدرات، فإنه، وفق الكاتب، يسقط فرص الاستقرار طويل الأمد، إذ إن إدارة المنطقة بالنار بدلاً من الترتيبات الميدانية تحول الجنوب إلى بيئة خصبة للضربات الخاطفة وساحة استنزاف مفتوحة قائمة على التكيف والديناميكيات الجديدة فوق الأرض وتحتها.
أخبار متعلقة :