كتب ألان سركيس في «نداء الوطن» أن الجنوب يسقط قطعةً تلو أخرى؛ فقد فُجّرت أنفاق فتلة علي الطاهر، واقترب التهديد من النبطية، عاصمة جبل عامل. وفي ظل انتشار الجيش اللبناني تحت غطاء ونداء شعبي متصاعد، صدر نداء النبطية الثاني مطالبًا الدولة بالدخول وحماية المدينة وأهلها، فسارع الرئيس جوزاف عون إلى زيارتها، بينما بقي «حزب الله» في موقع القتال، وبقيت إيران خلف المشهد. وبين هذه التطورات، وجد رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه أمام أخطر لحظة سياسية في مسيرته.
ويشير سركيس إلى أن المشهد في الجنوب يتغير بسرعة، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على سقوط موقع عسكري أو تدمير نفق، بل باتت قرى تُستنزف، وبيوت تُهدم، ومصالح تتوقف، وعائلات تنزح، فيما تُضرب منطقة شكّلت لعقود العمق الاجتماعي والاقتصادي للشيعة في لبنان. ومن هنا يتسع السؤال داخل البيئة الشيعية: ماذا فعلت إيران بالجنوب؟ وهل تُرك الشيعة لمصيرهم بعدما تحوّل لبنان إلى ساحة في حرب أكبر منه؟
ويتحدث الكاتب عن تصاعد الاعتراض وتردّد كلام كان من الصعب قوله علنًا، مفاده أن إيران باعت شيعة لبنان والجنوب وجبل عامل، وتركت «الحزب» يخوض حربًا يدفع أهل الجنوب ثمنها. كما يخشى كثيرون انتقال نموذج غزة إلى لبنان، وتحول الحرب من مواجهة مع إسرائيل إلى كارثة تطاول البيئة الشيعية نفسها.
ويراقب بري هذا التحول، مدركًا أن الاحتقان يتراكم داخل بيئته، وأن المسافة بين حركة «أمل» و«حزب الله» لم تعد مجرد تباين سياسي. وقد ظهر التوتر في عربصاليم، وبرزت إشارات أخرى في الضاحية، فيما تتحرك نار تحت الرماد. لذلك يضع بري خطًا أحمر أمام الاقتتال الشيعي ـ الشيعي، لأنه يعرف أن انفجاره قد يفتح بابًا لا يستطيع أحد إغلاقه.
ويواجه بري، بحسب المقال، خيارين لا ثالث لهما: الانتظار، بما يحافظ على الحد الأدنى من وحدة البيت الشيعي، لكنه يتركه يشاهد استنزاف الجنوب وخسارة المزيد من رصيده داخل بيئته، وهو الذي قال إن إسرائيل قادرة على احتلال الجنوب؛ أو التدخل للدفع نحو استعادة الدولة قرارها ووقف مسار الحرب، مع ما يعنيه ذلك من اصطدام بـ«حزب الله» ومنظومة عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وبين الخيارين، يتحرك بري؛ إذ يسمح للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى باستضافة السفير الأميركي ميشال عيسى لبحث مستقبل الطائفة وموقعها ووجودها، ثم يرفع في المقابل سقف موقفه السياسي، فيرفض اتفاق الإطار ويعتبره ساقطًا. ويرسل بذلك إشارات إلى الداخل والخارج، محاولًا فتح باب من دون كسر الباب الآخر وشراء الوقت، فيما الوقت يضيق.
ويعرف بري أن المعادلة تبدلت، وأن موازين القوى لم تعد كما كانت، بعدما بات الجنوب والبقاع والضاحية أكثر انكشافًا أمام إسرائيل. كما لم تعد الدولة قادرة على حماية مناطقها ما لم تستعد قرارها. والأهم أن بري يدرك أن القرار العسكري ليس في يده، فـ«الحزب» يمسك بالسلاح، والحرس الثوري الإيراني يمسك بمفاصل أساسية من القرار العسكري. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن «الحزب» لم يعد يتعامل مع بري وقيادته السياسية كما كان يفعل سابقًا.
ويرى بري نكبة تتشكل أمامه؛ فهو لا يريد ترك طائفته أمام مصير يشبه مصير غزة، ولا يستطيع في الوقت نفسه الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع «حزب الله». ويدرك أن أي صدام شيعي داخلي سيكون كارثيًا، لكنه يعرف أيضًا أن ترك الأمور على حالها قد يكون أكثر خطورة.
وحتى الآن، يختار بري الانتظار، غير أن الانتظار ليس موقفًا إلى الأبد. فكل يوم يمر يعني مزيدًا من الدمار والغضب وتراجع الدولة، فيما يقترب من لحظة القرار: إما أن يتدخل قبل أن يصبح الجنوب أمام أمر واقع جديد، وإما أن ينتظر حتى يصبح الانتحار قرارًا لا يمكن التراجع عنه.
أخبار متعلقة :