كتبت د. جوسلين البستاني في «نداء الوطن» أن بشير الجميل لا يزال يعود إلى النقاش اللبناني بعد 44 عامًا على اغتياله، لكن صورته لم تصبح بالضرورة أكثر وضوحًا مع مرور الزمن، بل ربما ازدادت تعقيدًا.
فالرجل الذي ظهر في ذروة الحرب اللبنانية وصعد بسرعة استثنائية إلى موقع القيادة، ترك إرثًا لا يمكن اختزاله في صورة واحدة: لا صورة القائد الذي وعد اللبنانيين بالخروج من الفوضى، ولا صورة رجل الحرب، ولا صورة الرئيس الذي لم تتح له فرصة الحكم.
وترى البستاني أن استعادة بشير اليوم لا ينبغي أن تكون استعادة لشخصه بقدر ما هي محاولة لقراءة ما حدث للبنان بعد غيابه.
بشير كمرآة للبنان
تكمن أهمية بشير، بعد 44 عامًا، ربما في أن تجربته انتهت قبل معرفة إلى أين كانت ستصل. فقد اغتيل بعد أيام من انتخابه رئيسًا للجمهورية، ولم تتح له فرصة اختبار مشروعه في ظروف الدولة الطبيعية. لذلك بقيت صورته معلقة بين ما كان يريد تحقيقه، وما كان مؤيدوه ينتظرون منه تحقيقه، وما يحمله خصومه من مسؤولية عن مرحلة الحرب.
وتبدأ هنا صعوبة إصدار حكم تاريخي عليه، إذ لم يكن بشير شخصية قابلة للفصل عن زمنها. كان ابن حرب أهلية وانقسامات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، واتخذ في ذلك السياق خيارات لا تزال موضع خلاف. كما أن علاقته بإسرائيل، خصوصًا، تفرض على أي قراءة جادة لتجربته تجنب الإدانة السهلة.
في المقابل، فإن رفض خيارات بشير لا يجيب تلقائيًا عن السؤال الذي كان يحاول الإجابة عنه.
لبنان بعد بشير
بعد بشير، تعاقبت الوصايات، وتبدلت موازين القوى، وانتهت الحرب، وأعيد بناء المؤسسات، قبل أن يعود لبنان إلى أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متتالية. تغيرت الوجوه والتحالفات والخطابات، لكن صعوبة بناء دولة قادرة على العمل بمعزل عن موازين القوى المحيطة بها والداخلية فيها ظلت تتكرر.
ومن هذه الزاوية، تصبح المقارنة مع بشير أكثر إثارة للاهتمام، ليس لأن التاريخ أثبت أنه كان على حق في كل شيء، بل لأن لبنان الذي جاء بعده لم ينجح، رغم كل التحولات، في تجاوز البيئة التي جعلت مشروعه ممكنًا أصلًا. وتلك، بحسب المقال، ربما تكون المفارقة الأهم.
السنوات التي تلت
بعد 44 عامًا، لا يعود السؤال الأساسي هو: هل كان بشير على حق؟ بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجًا: لماذا بقيت الظروف التي جعلت أسئلته ممكنة قائمة، ولو بأشكال مختلفة؟ ولماذا ظل لبنان عرضة لتقدم موازين القوى على منطق المؤسسات؟ ولماذا بقيت القرارات الكبرى مرتبطة، في مراحل مختلفة، بتوازنات تتجاوز حدود الدولة ومؤسساتها؟ ولماذا احتاج لبنان، بعد كل ما مر به، إلى إعادة طرح الأسئلة نفسها تحت عناوين جديدة؟
هذه الأسئلة لا تنتمي إلى بشير وحده، ولا إلى حزبه أو جمهوره أو خصومه، بل تتعلق بدولة عاشت منذ ذلك الحين سلسلة طويلة من الاختبارات، ولم تجد بعد الصيغة التي تجعل مؤسساتها أقوى من أزماتها.
بين التاريخ والافتراض
وتشير البستاني إلى أن من الخطأ التعامل مع التاريخ كأنه تجربة مخبرية كان يمكن أن تقدم نتيجة لو لم يُغتل بشير. فلا أحد يستطيع معرفة ما كان سيحدث لو بقي في الحكم؛ وربما كان مشروعه سيصطدم بعوائق لم يكن يتوقعها، أو كانت التحولات الإقليمية ستفرض عليه مسارات مختلفة تمامًا. وتبقى هذه المنطقة المجهولة مجهولة، لكن ما يمكن معرفته هو ما حدث فعلًا بعده.
فلبنان لم ينتقل من الحرب إلى دولة مستقرة ونهائية بمجرد انتهاء الحرب، بل انتقل من أزمة إلى أخرى، ومن وصاية إلى أخرى، ومن تسوية إلى تسوية، فيما بقي بناء الدولة نفسه غير مكتمل. ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية بشير في البحث عما كان سيحدث لو بقي حيًا، بل في أن التجربة اللبنانية بعده أبقت الأسئلة التي حكمت مرحلته مطروحة، وإن بأشكال مختلفة.
ما الذي لم يتغير؟
ربما لا تكمن أهمية بشير الجميل اليوم في استعادة ما كان يمكن أن يكون، بل في النظر إلى ما كان وما أصبح. فالرجل الذي قُتل قبل أن يبدأ عهده الرئاسي الكامل تحول، مع مرور الزمن، إلى نقطة مرجعية يستعيدها كل طرف وفق قراءته الخاصة.
وبعد 44 عامًا، لا يحتاج لبنان إلى الاتفاق على بشير أو الاختلاف معه بقدر حاجته إلى الإجابة عن السؤال الذي بقي بعده: لماذا لم تُحسم القضايا التي قامت حولها معركته؟ فقد أصبح الرجل جزءًا من التاريخ، لكن القضايا التي جعلت من مشروعه قضية مفتوحة لم تصبح تاريخًا بعد.
أخبار متعلقة :