كتبت بولا أسطيح في «الشرق الأوسط» أن التفجيرات الإسرائيلية المتتالية في جنوب لبنان لم تعد تُنظر إليها باعتبارها عمليات عسكرية تستهدف منشآت ومواقع لـ«حزب الله» فحسب، بل بدأت تثير أسئلة ومخاوف بشأن ما يمكن أن يحدث في باطن الأرض نتيجة هذه الانفجارات الهائلة.
وتنفذ إسرائيل التفجيرات في بلدات ومناطق جنوبية، خصوصاً ضد منشآت وأنفاق تحت الأرض، باستخدام كميات ضخمة من المتفجرات تنتج موجات ارتدادية واهتزازات تتجاوز أحياناً محيط الموقع المستهدف. ومع تكرارها، تتزايد المخاوف من امتداد تداعياتها إلى الطبقات الجيولوجية والفوالق التي تنشط أصلاً في المنطقة، بدلاً من اقتصارها على الدمار فوق سطح الأرض.
وكان آخر هذه التفجيرات وأكبرها، بحسب الخبراء، الانفجار الذي استهدف منشآت تحت الأرض داخل تلة علي الطاهر. وأظهرت مشاهد بثتها شاشات التلفزة وتداولتها مواقع التواصل الاجتماعي ألسنة لهب ضخمة تصاعدت من باطن التلة، فيما شعر سكان مناطق واسعة بالاهتزازات الناتجة عن الانفجار.
وأفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بتسجيل هزة بلغت قوتها 4.1 درجة. ووصف أحد سكان المنطقة، الذي يقطن على مسافة نحو 20 كيلومتراً من موقع التفجير، ما حدث قائلاً: «الأرض ارتجَّت بنا لنحو خمس ثوانٍ»، في وصف يعكس اتساع دائرة الارتدادات التي شعر بها الأهالي.
وتقول مديرة مركز «الجيوفيزياء» التابع لـ«المجلس الوطني للبحوث العلمية»، الدكتورة مارلين البراكس، إن تداعيات هذه الانفجارات، وما إذا كانت قد تؤدي إلى هزات أو زلازل في المستقبل، تحتاج إلى مزيد من الوقت والدراسات. وتوضح أنه «تم بالفعل تسجيل موجات ناتجة عن التفجير يمكن تشبيهها بهزة أرضية بقوة 4.2 درجة»، مشيرة إلى أن تفجير علي الطاهر كان الأكبر، يليه تفجير الشقيف.
وتضيف البراكس أن «التفجيرات الضخمة تخلق ضغطاً إضافياً في الأرض، يُضاف إلى الضغوط الموجودة أصلاً على الفوالق، لكن لا يمكن في الوقت الراهن تحديد حجم هذا الضغط أو الجزم بما إذا كان كافياً لإحداث كسر في الصخور أو تحفيز هزات وزلازل».
وشددت البراكس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الأمر يحتاج إلى مراقبة علمية دقيقة للنشاط الزلزالي الطبيعي بعد التفجيرات. فإذا طرأ تغير غير طبيعي على هذا النشاط، فقد يشكل ذلك مؤشراً يستدعي القلق». وأكدت أن المركز لم يسجل حتى الآن نشاطاً غير طبيعي يمكن ربطه بهذه التفجيرات، لافتة إلى أن حسم المسألة يحتاج إلى بيانات ودراسات أكثر دقة.
من جهته، ينظر الاختصاصي في إدارة وطب الكوارث الدكتور جبران قرنعوني إلى المسألة بقدر أكبر من القلق، مشيراً إلى أن «تلة علي الطاهر تقع على فالق الروم المتفرع عن فالق اليمونة، وهي منطقة تضم فوالق نشطة؛ ما يجعل تأثير التفجيرات المتكررة عليها موضع خشية، خصوصاً في ظل استمرار عمليات التفجير وبكميات كبيرة من المتفجرات».
وتوجد في لبنان عدة فوالق زلزالية. ويتركز فالق روم في جنوب لبنان، ويمتد من جزين إلى بلدة روم الواقعة شرق صيدا، ثم ينحرف باتجاه إقليم الخروب والدامور حتى يصل إلى خلدة وراس بيروت. كما تفيد فرضيات بأنه يمتد شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط.
وقال قرنعوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطر لا يُختصر بلحظة الانفجار نفسها؛ إذ إن التحدي يكمن في احتمال تراكم التأثيرات مع تكرار التفجيرات، لا سيما عندما تقع في مناطق قريبة من الفوالق». لكنه أشار إلى أن تحديد ما إذا كانت هذه العمليات قادرة فعلاً على تحفيز نشاط زلزالي يحتاج إلى تقييمات جيولوجية وزلزالية متخصصة.
وعن احتمال تأثير التفجيرات سلباً على إسرائيل وتعزيزها فرص حصول هزات وزلازل، قال قرنعوني: «صحيح أنه لا يمكن الجزم، ولكن قد يتمكن الإسرائيليون من التحكم بعصف الانفجارات، فيكون توجهها شمالاً باتجاه لبنان لا جنوباً ليطال الشمال الإسرائيلي».
ولا تقتصر المخاوف المطروحة على الزلازل، إذ يرى قرنعوني أن التفجيرات العميقة والعنيفة تثير أيضاً أسئلة بشأن تأثير الضغط على الطبقات الصخرية والمياه الجوفية وشبكات الصرف الصحي في المناطق المحيطة، واحتمال إلحاق أضرار بالبنى التحتية أو تلوث مصادر المياه في حال تضررت الشبكات واختلطت المياه المبتذلة بمياه الشرب.
وتعود هذه المخاوف إلى ما بعد اندلاع الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في تشرين الأول 2023، ومع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوباً خلال عام 2024، ثم استمرار عمليات التدمير والتفجير بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين، تكرر الحديث عن الآثار التي يمكن أن تتركها التفجيرات المتعاقبة في مناطق تشهد أصلاً نشاطاً زلزالياً.
وكانت العديسة وكفركلا من أبرز المناطق التي شهدت تفجيرات كبيرة خلال السنوات الماضية. وسبق ذلك تفجيران كبيران استهدفا الضاحية الجنوبية لبيروت، حين استخدمت 85 قنبلة خارقة للتحصينات، تزن الواحدة منها ألفَي رطل، لاغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، وقنابل يصل وزنها إلى 73 طناً لاغتيال رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين.
أخبار متعلقة :