يتزامن انعقاد جلسة مساءلة الحكومة اللبنانية اليوم وغدًا مع استحقاقات سياسية ودبلوماسية وأمنية تمتد من بيروت إلى باريس وواشنطن ونيويورك. ويناقش مجلس النواب أداء الحكومة، فيما تتجه الأنظار الخميس في 17 من الجاري إلى باريس، حيث يُعقد الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني، قبل انتقال الاتصالات إلى واشنطن مع اجتماع مرتقب بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي تمهيدًا للجولة الثامنة من المفاوضات بين البلدين، وصولًا إلى نيويورك، حيث ينقل رئيس الحكومة نواف سلام الموقف اللبناني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتتجاوز أهمية جلسة المساءلة حدود السؤال والجواب وتسجيل المواقف، إذ يُطرح أن تتحول إلى عامل ضغط لتسريع تنفيذ قرارات الحكومة وترجمتها على الأرض، في وقت يتحرك فيه الميدان، وفق ما أوردته «نداء الوطن»، بوتيرة أسرع من القرار اللبناني، فيما تنظر الدبلوماسية الدولية بقلق إلى التباطؤ في التنفيذ، ولا سيما أن إسرائيل تواصل التحرك وفق أجندتها الأمنية.
وعلمت «نداء الوطن» بوجود توجه لدى فريق واسع من النواب السياديين، وفي مقدمتهم نواب تكتل «الجمهورية القوية»، لسؤال الحكومة عن المرحلة التي تلت قراراتها، وما إذا كانت قد اتخذت خطوات فعلية لتحريك المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والمالية والإدارية لتنفيذها، إضافة إلى الاستفسار عن مبررات المراوحة في ظل ما وصفته المصادر باستنزاف قوة الدولة.
وفي ما يتعلق بطرح الثقة بالحكومة، تذكّر مصادر نيابية بأن المادة 37 من الدستور تمنع مناقشة أي طلب لنزع الثقة عن وزير أو عن الحكومة قبل إيداع الطلب المجلس النيابي وإبلاغ الحكومة أو الوزير المعني به، ومنحه مهلة لا تقل عن خمسة أيام للرد.
وترى مصادر أن توقيت الجلسة يثير التباسًا، كون الدولة تحتاج إلى هامش أوسع من القوة والحركة، لا إلى مزيد من الاستنزاف السياسي. وتتساءل عن محاسبة حكومة لم يمضِ على عمرها عامان، وقد تسلّمت بلدًا مفلسًا ودولة مستنزفة القرار والقدرة، من جانب كتل نيابية كانت شريكة في الحكم لسنوات طويلة وأدارت ملفات أساسية، بينها قطاع الطاقة الذي تراكمت خسائره وهدره على مدى ثلاثة عشر عامًا.
وتضيف المصادر أن المساءلة حق دستوري، ولا مطالبة بإعفاء الحكومة من المحاسبة، لكنها تميّز بين المساءلة وتحويلها إلى أداة لإضعاف الحكومة في مرحلة دقيقة. كما تسأل عن محاسبة حكومة تحاول إعادة الإمساك بمفاصل الدولة، من جانب جهات كانت شريكة في إدارة الانهيار، أو لا تزال جزءًا من مشروع سياسي يتجاوز الدولة اللبنانية في قراره وخياراته، بعدما جرّ لبنان إلى حرب مدمرة وترك الدولة تتحمل أثمانها السياسية والاقتصادية والأمنية.
وبحسب ما علمته «نداء الوطن»، لا تبدي بعبدا مخاوف من إسقاط الحكومة، وتعتبر أن الجلسة تندرج في إطار الحياة الديمقراطية، ولا سيما أن جلسة مساءلة سابقة عُقدت من قبل. وتشير المعطيات نفسها إلى صمود الحكومة لتمتعها بالأغلبية النيابية، وعدم وجود أكثرية قادرة على سحب الثقة منها، فضلًا عن نيلها دعمًا شعبيًا داخليًا وإقليميًا ودوليًا، فيما لا تسمح موازين القوى بإسقاطها.
وفي موازاة ذلك، يستعد سفيرا لبنان وإسرائيل للاجتماع في وزارة الخارجية الأميركية خلال الأيام المقبلة لبحث تنفيذ صيغة اتفاق الإطار. وقال مصدر سياسي رفيع لـ«نداء الوطن» إن الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين البلدين، بوساطة أميركية، كانت مقررة في روما خلال الثلث الأخير من الشهر الحالي، بعد مؤتمر دعم الجيش في باريس في 17 منه، لكنها أُرجئت إلى النصف الأول من تشرين الأول المقبل.
وأوضح المصدر أن سبب التأجيل يعود إلى عاملين أساسيين: أولهما رفض لبنان التوجه إلى التفاوض في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية العدائية، مقابل رفض إسرائيل البحث في مناطق نموذجية جديدة ونوعية. أما العامل الثاني، فيتصل ببدء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية، التي يتضمن جدولها ملفات بالغة الأهمية، من بينها الحرب الأوكرانية والحرب الإيرانية وأزمة الطاقة العالمية والتداعيات الاقتصادية.
وأشار المصدر إلى أن كلام رئيس الجمهورية في النبطية عن عدم التفاوض في المرحلة الراهنة شكّل «جرس إنذار حقيقيًا» هدفه لجم العدوانية الإسرائيلية ورفض التفاوض تحت النار.
ولفت المصدر إلى أن أهمية مؤتمر دعم الجيش في باريس، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الجمهورية جوزاف عون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، تكمن في كونه مؤشرًا ومقياسًا لمدى الاستعداد العربي والدولي لتقديم دعم نوعي للجيش، بما يمكّنه من الاضطلاع بمهامه الكبرى على أكمل وجه.
كما علمت «نداء الوطن» أن الدولة اللبنانية تبلّغت عبر الأميركيين أن الوضع في علي الطاهر ومحيطه سيبقى على حاله، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في الاحتفاظ بمواقعه العسكرية وانتشاره. وسيُبحث خلال الجولة الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في تشرين الأول ما إذا كانت إسرائيل ستسلّم الجيش اللبناني تلال علي الطاهر أو ستبقى مسيطرة عليها.
وتأتي هذه التطورات على وقع موقف إسرائيلي أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قال فيه إن إسرائيل ستواصل تدمير البنية التحتية للإرهاب في ما سماه المنطقة الأمنية في لبنان، وإزالة كل تهديد عن إسرائيل. كما تحدث عن انتصار كبير على «حزب الله» بعد تدمير معاقله في قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر.
وبعد لقائه رئيس الجمهورية، أشاد الرئيس السابق ميشال سليمان بزيارة الرئيس عون إلى الجنوب، معتبرًا إياها تتويجًا لخطوة انتشار الجيش في النبطية، ومتمنيًا ألا يرتكب «حزب الله» مجددًا «الخطيئة الكبرى» المتمثلة بعدم تسليم تلة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني.
وفي إطار تعزيز انتشار الشرعية جنوبًا، استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وفدًا من دار الإفتاء في صور والجنوب برئاسة مفتي صور ومنطقتها الشيخ مدرار حبال. وقال حبال بعد اللقاء: «نقلنا إلى الرئيس سلام أوضاع الجنوب وحاجاته، حيث أكد لنا حرصه على كامل الجنوب وأهله، ومتابعته لمختلف القضايا والعمل على معالجة أزماتها الاجتماعية بمختلف أشكالها».
وفي سياق آخر، غيّب الموت النائب السابق ورئيس حزب الوطنيين الأحرار السابق والرئيس الفخري للحزب دوري كميل شمعون عن عمر 95 عامًا. ونعاه حزب الوطنيين الأحرار، مشيدًا بمسيرته الوطنية والنضالية الطويلة في خدمة لبنان.
اقتصاديًا، تبدأ اليوم بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى لبنان، على أن تستمر حتى 18 منه، لعقد سلسلة اجتماعات ومباحثات مع وزارة المالية والإدارات والجهات العامة المعنية بالملفات المالية والاقتصادية والإصلاحية.
أخبار متعلقة :