كتبت ميريام بلعة في «المركزية»: تتصاعد الضغوط المعيشية والنقابية في لبنان، فيما تواجه الحكومة أزمة لا يمكنها تجاهلها، مع اشتعال أسعار السلع وارتفاع كلفة المحروقات على أبواب الشتاء، بالتزامن مع حرب إقليمية، فضلاً عن الوضع المحلي، بما يهدد بانقطاع مواد أساسية أو ارتفاع أسعارها في الأيام المقبلة.
وتنذر التطورات الاقتصادية والاجتماعية بانتفاضة شعبية قد لا يحركها الغلاء والفقر وحدهما، بل أيضاً مواقف سياسية برز بعضها من داخل مجلس النواب وخارجه، وهددت بتحويل الاحتقان إلى تحرك شعبي قد يصل سقفه إلى «إسقاط الحكومة». وقد لوّحت شخصيات نيابية، خلال جلسة مناقشة الحكومة وخارجها، بهذا الاحتمال، ومن بينها ما كتبه النائب بلال عبدالله على منصة «أكس» هذا الأسبوع: «إذا كانت الحكومة تحظى بغطاء نيابي وخارجي يمنعان طرح الثقة بها، فهذا لا يعني أنّ الشارع قد لا يسقطها! وإذا لم تنجح الحكومة في تنفيذ قراراتها، فربّما تكون آخر حكومة للبنان الموحّد! ماذا ينتظرنا؟».
وفي موازاة ذلك، لوّحت قواعد نقابية بالتصعيد في الشارع احتجاجاً على الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، وما قد يترتب عليه من زيادة في أسعار مواد استهلاكية وخدماتية عدة. وأعلنت «رابطة موظفي الإدارة العامة» الإضراب يومي الأربعاء والخميس في 23 و24 أيلول الجاري، محذرة في بيانها من أنه «في حال لم تتجاوب الحكومة مع مطلب رفع بدل النقل، فإن الرابطة سترفع أيام التوقف القسري أسبوعياً».
كما دعا رئيس اتحادات النقل البري في لبنان بسام طليس الحكومة، اليوم، إلى «المباشرة فوراً بتنفيذ الإجراءات التي تم الاتفاق عليها»، بعدما بلغ سعر صفيحة البنزين 31 دولاراً و32 سنتاً، مطالباً بـ«دفع تعويضات السائقين قبل يوم الأربعاء، من دون أي تأخير أو تسويف».
وعلى الرغم من تجديد الثقة بالحكومة، تبدو أمام ضغوط متزايدة، في وقت تحاول فيه البحث عن موارد مالية لسد فجوات النفقات المستجدة والمحسوبة ضمن اقتصاد متهالك واستثمار محدود. وأي زيادة جديدة قد تقابل برفض شعبي نظراً إلى انعكاسها على الأعباء الحياتية والمعيشية، فيما استُهلكت الإيرادات التي حددتها في موازنتها العامة بفعل أزمة النزوح المستفحلة، التي أربكت الدولة ومواردها وبنيتها التحتية.
ومع عجز الحكومة عن إيجاد معالجة سريعة لاحتواء الاحتقان، تعود إلى الواجهة اجتماعات الصرح البطريركي التي أطلقها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بين شباط وتشرين الأول من عام 2016، خلال عهد الرئيس السابق للجمهورية ميشال عون. وقد ضمت تلك اللقاءات الموسعة الهيئات الاقتصادية والخبراء ورؤساء النقابات، وبحثت في شبكات الأمان الاجتماعي ودعم القطاعات الإنتاجية.
وأعادت «المركزية» طرح هذه الاجتماعات مع الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي، الذي شارك فيها، فأوضح أن اللقاءات المتتالية في بكركي خلصت إلى خطط ودراسات تضمنت حلولاً لمعالجة الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية. وقال إن المجتمعين أدرجوا هذه المقترحات في كتاب من نحو 80 صفحة حمل عنوان «خلاصة اجتماعات بكركي الاقتصادية»، وأودعوه لدى دوائر القصر الجمهوري آنذاك، «ومنذ ذلك الحين لم نتلقَ أي ردّة فعل في شأنها حتى اليوم».
وأوضح يشوعي أن الكتاب تضمن برامج لإصلاح القطاعات الاقتصادية، من الزراعة والصناعة والتجارة إلى المصارف والتأمين والمقاولات وغيرها، مؤكداً أنها لم تكن «تنظيراً»، بل أُعدّت بمشاركة الفاعليات الاقتصادية والمالية والنقابات والتجمعات «صاحبة الوجع». وأضاف أن الكتاب الإصلاحي لا يزال في أدراج بعبدا.
وقال يشوعي إنه «في حال تم تطبيق هذه البرامج، يصبح لبنان بألف خير»، مشيراً إلى أن بكركي تواصل العمل على الملفات الملحّة لتجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية عبر مؤسساتها المعنية، وفي مقدمها «مركز الأبحاث والتوثيق»، الذي يضم لجاناً سياسية واقتصادية وقضائية واستراتيجية ودستورية، وتشارك فيها وجوه معروفة في هذه المجالات.
وشدد يشوعي على أن لبنان «ليس بحاجة إلى صندوق النقد ولا البنك الدولي أو أي مؤسسة دولية أخرى كي تُعِدّ له الدراسات والخطط»، بل يحتاج إلى وقف الهدر والفساد والحد من الاحتكار، إضافة إلى ملاحقة قضية الودائع المفقودة. ومع تأكيده أن البرامج الإصلاحية المودعة لدى القصر الجمهوري قابلة للتنفيذ الفوري لابتعادها عن التنظير والتحليلات، يطرح السؤال عما إذا كانت دوائر بعبدا ستلجأ إلى كتاب «خلاصة اجتماعات بكركي الاقتصادية» لمساندة الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية والحكومة في هذا المجال.
أخبار متعلقة :