نبض لبنان

مؤتمر باريس ودعم الجيش.. رصيد مؤجل لمسار سياسي في لبنان

كتب سامر زريق في «نداء الوطن» أن التزامن بين انعقاد مؤتمر باريس لدعم الجيش والقوى الأمنية ضمن «مسار العقبة»، ونشر مقال مستشار رئيس الجمهورية جان عزيز في موقع «جاست سيكوريتي» الأميركي، يعكس أهدافاً تتجاوز الدعم العسكري والأمني والمالي إلى التأكيد على أهمية الانتقال من التعامل مع لبنان بوصفه مشكلة أمنية إلى بناء مسار سياسي شامل.

وأوضح أن الجيش يمثل ركيزة للاستقرار ولسياسة تفكيك سلاح «الحزب» والهياكل الموازية، لكن اختزال الصراع ومسار المفاوضات مع إسرائيل في زاوية أمنية بحتة، عبر التركيز على قدرات الجيش وما ينقصه وما يستطيع فعله وما إذا كان سيدخل في مواجهة مع «الحزب»، يأتي على حساب المنطق السياسي. وأضاف أن ذلك يعيد نقل دينامية الصراع إلى المساحة التي يستفيد منها منطق السلاح، والقائم على بناء قرار سياسي بحوامل أمنية تمتد من «الحزب» إلى «الحرس الثوري» و«الباسيج»، مروراً بـ«جماعة الحوثيين» و«الحشد الشعبي».

وبحسب زريق، فإن المطلوب هو توظيف المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن مقاربة سياسية أوسع تشمل المبادرات السياسية والدبلوماسية، وتنويع العلاقات الخارجية، وبناء الشراكات مع القوى الفاعلة، وإنتاج ترتيبات جديدة تعزز مشروعية الدولة وقدرتها على صياغة استراتيجية ردع هجينة أكثر استدامة وموثوقية.

وأشار إلى أن «مسار العقبة» نفسه مبادرة أطلقها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عام 2015، وتتجاوز مواجهة التهديدات الأمنية إلى دعم الاستقرار السياسي وتعزيز التعاون بين شركاء دوليين وإقليميين.

وأضاف أن هذا ما عناه الرئيس جوزاف عون في باريس بالحديث عن شراكة طويلة الأمد، والتزامات واضحة، والاتفاق على خارطة طريق عملية، معتبراً أن مخرجات المؤتمر بدت بمثابة رصيد مؤجل الاستحقاق للمنطق السياسي المنشود. فالدعم الدولي للجيش، وفق الكاتب، لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المسار السياسي، بل رافعة له.

ولفت إلى أن مستشار رئيس الجمهورية جان عزيز عمل على تفنيد هذه المقاربة بإسهاب في مقال موجّه إلى الإدارة الأميركية، واصفاً إياه بأنه الموقف الأكثر وضوحاً وتعبيراً عن مقاربة بعبدا، لأنه ينقل النقاش من حدود المؤسسة العسكرية إلى شروط استعادة الدولة وظائفها كاملة.

وترتكز هذه المقاربة، بحسب زريق، على أن سيادة المنطق السياسي لا تتحقق بجمع السلاح أو بمواجهة حامله، بل بإثبات الدولة قدرتها على أداء الوظائف التي ينتحلها «الحزب» بسلاحه، وإلا بقي لبنان أسير معادلة صفرية بين مشروعيات متضادة. فإسرائيل تستند إلى بقاء سلاح «الحزب» لتبرير استمرار احتلالها، فيما يستند الأخير إلى الاحتلال لتبرير استمرار سلاحه ووظائفه غير العسكرية.

ويرى الكاتب أن تفكيك هذه الدائرة المقفلة لا يمكن أن يتم عبر إدارة أمنية للأزمة، إذ يحتاج لبنان إلى دعم سياسي أميركي جاد وحاسم يحول دون إعادة إنتاج الفراغ السياسي الذي سمح تاريخياً بقيام نفوذ موازٍ للدولة، من «فتح لاند» إلى مشروع الأذرع الإيرانية الولائية.

وحذّر من أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بتقييم الأداء اللبناني، ولا سيما أداء الجيش، يهدد بإبقاء لبنان داخل الحلقة نفسها، ويفسح المجال أمام ولادة تنظيم أو مشروع جديد يرث نفوذ «الحزب»، وربما بأشكال أكثر عنفاً.

لذلك، يخلص زريق إلى أن المطلوب هو تقديم المنطق السياسي وتفعيل استحقاقه، بحيث تكون الدولة بمؤسساتها ونفوذها هي من تملأ الفراغ الذي شغله السلاح، وتستعيد وظائفه السياسية والاجتماعية والأمنية، بدلاً من الاكتفاء بجمعه وملاحقته. ويتطلب ذلك إعادة إدخال الدولة إلى الجنوب عبر ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة تجعل حضورها بديلاً فعلياً عن الهياكل الموازية.

ويعيد عزيز، بلسان بعبدا، وفق المقال، ترسيم إطار استراتيجية «خطوة – خطوة» التي يتبناها الرئيس جوزاف عون منذ انتخابه، وتشمل انسحاب القوات الإسرائيلية، وتوسيع سلطة الجيش، وعودة المدنيين، وبدء إعادة الإعمار، ومعالجة الدولة لوجود السلاح خارج إمرتها.

وفيما من المتوقع أن يثير ترتيب بنود هذه الاستراتيجية «عاصفة اعتراض مزدوجة»، فإنها ترمي، بحسب زريق، إلى إسقاط الوظائف التي يستمد منها السلاح مبرر بقائه، كما تشكل الشرط الشارط للانتقال من منطقة إلى أخرى.

ويختم الكاتب بأن المنطق السياسي ليس مرحلة تالية للمنطق العسكري والأمني، بل هو الذي يمنحهما الغاية والاتجاه، وأن الدولة تستعيد احتكار القوة عبر انتزاع كل الوظائف التي جعلت من السلاح سلطة فوق الدولة.

أخبار متعلقة :