نبض لبنان

لماذا إغتيل صفي الدين قبل قاسم؟

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

في ذكرى اغتيال أمين عام “حزب الله” السيد هاشم صفي الدين في 3 تشرين الأول 2024، يُطرح السؤال عمّا إذا كان الشيخ نعيم قاسم موضوعًا على لائحة الأهداف الإسرائيلية بعدما بدأ “حزب الله” حرب المساندة في 8 تشرين الأول 2023؟ أم أنه كان خارجها؟ وهل ثمة تفسيرات لمثل هذا الأمر عندما كان لا يزال نائبًا لأمين عام الحزب؟ وهل هو اليوم على جدول الاغتيالات بعدما صار الأمين العام؟ وهل التدابير التي اتّخذها الحزب من أجل حمايته كافية لتأمين منع اغتياله، حتى لو كان هناك قرار إسرائيلي بذلك؟

لم يكن السيد هاشم صفي الدين ينتظر نهايته بهذه السرعة وبهذه الطريقة المأساوية. كان يعرف أن اسمه مكتوب بين الأسماء الأولى على لائحة قيادات “حزب الله” الذين أرادت إسرائيل تصفيتهم. ولكنّه كان يحاول أن يحمي نفسه بالكثير من التدابير الأمنية التي تتقارب مع تلك التي كان يتّخذها الأمين العام السيد حسن نصرالله. فقد كان من المعروف أنّه الرجل الثاني في “الحزب”، وأنّه الخليفة الذي يحلّ محله في غيابه، وأنّ المسألة مرتبطة بالكفاءات الحزبية التي يتمتّع بها وبالخبرات التي راكمها عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا، وبالموقع الديني الذي بلغه، وبالخيار النابع من قلب سلطة القرار في الجمهورية الإسلامية في إيران التي تعيّن وتختار من تشاء لملء هذه المواقع الأساسية في الحزب. كان السيد هاشم صفي الدين يُعَدّ ليكون الرجل الرديف أولًا، والبديل ثانيًا، للسيد حسن نصرالله، بحيث يمكن القول إنه كان نسخة طبق الأصل عنه.

مناسبات ظهور صفي الدين

قبل أن يبدأ “حزب الله” حرب المساندة، كان السيد هاشم صفي الدين موضوعًا على لائحة الأهداف الإسرائيلية كالسيد حسن نصرالله. ولكنّه، على عكسه، لم يكن خاضعًا لقرار الاختفاء التام، بحيث كان يظهر في مناسبات كثيرة للحزب. فقد ظهر مثلًا في المناورة العسكرية التي أجراها الحزب في منطقة عرمتى في 21 أيار 2023، قبل خمسة أشهر من بدء الحرب. وظهر أيضًا في تشييع القائد العسكري في الحزب فؤاد شكر في الأول من آب 2024، عندما كانت إسرائيل قد بدأت تنفيذ سلسلة عمليات الاغتيال منذ عملية اغتيال صالح العاروري، القائد العسكري في حركة حماس، في 2 كانون الثاني 2024 وفي قلب الضاحية الجنوبية. وظهر أيضًا في 10 أيلول في ذكرى أربعين شكر.

كالسيد نصرالله، لم يكن السيد هاشم صفي الدين يعتقد أن إسرائيل يمكن أن تقوم بمغامرة من هذا النوع، لأنّها تخاف من ردّة الفعل عليها، وبالتالي لا يمكنها أن تتحمّل تبعات اغتيال نصرالله أو صفي الدين. ولذلك بقي محافظًا على هذا الحضور حتى اغتيال القائد العسكري الكبير في “الحزب” إبراهيم عقيل في 20 أيلول 2024، بعد ثلاثة أيام فقط من تفجيرات البيجر التي ظهر من خلالها الاختراق الإسرائيلي الكبير لكل مكوّنات “الحزب.” على عكس ما حصل في تشييع فؤاد شكر، لم يطلب نصرالله من صفي الدين أن يؤمّ الصلاة، بل طلب ذلك من الشيخ نعيم قاسم، نائبه منذ العام 1992، من دون أن يكون الرجل الثاني في “الحزب”. بعد هذا الاغتيال، اختفى نصرالله كما اختفى صفي الدين.

سقوط الخطوط الحمراء

كالسيد نصرالله، كان صفي الدين يتنقل بين عدد من الشقق السكنية في الضاحية الجنوبية وربّما في مناطق أخرى. عندما قرّر نصرالله أن يخفي نفسه، حتى عن أقرب المقرّبين إليه في عائلته وحزبه، كان صفي الدين خاضعًا لمثل هذا القرار أيضًا، ولكن ليس بالدرجة نفسها. عندما اغتيل نصرالله في 27 أيلول 2024، تأكّد صفي الدين وسائر قادة الحزب أن لا خطوط حمراء أمام القرار الإسرائيلي بتصفيتهم. نصرالله نفسه اعتقد أن وجوده في المنشأة الأمنية في حارة حريك يحميه من الاستهداف، لأن القدرات العسكرية التي تمتلكها إسرائيل لا تكفي للوصول إليه، نظرًا إلى ما كانت تتمتع به هذه المنشأة من حمايات ومن تدابير تجعل قتله فيها شبه مستحيل.

ولكن في 27 أيلول 2024، ظهر أن المستحيل كان ممكنًا. ولذلك تبدّلت حسابات صفي الدين. منذ اللحظة الأولى لاغتيال نصرالله، تم التعاطي مع صفي الدين وكأنه بات متسلّمًا زمام القيادة. حتى الشيخ نعيم، الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الأمين العام، اتصل به وسأله: ماذا يجب أن نفعل؟ وأشار عليه صفي الدين بأن يتولى مخاطبة الحزب والبيئة.

في ظل القيادة الإيرانية

على عكس نصرالله وصفي الدين، لم يكن الشيخ نعيم يحيط نفسه بتدابير حماية خاصة ومشدّدة. فلم تكن هناك، مثلًا، منشأة خاصة به يمكن أن يلجأ إليها. حتى إن نصرالله، عندما أخفى نفسه، لم يطلب منه أن يختفي معه أو أن يكون إلى جانبه. الذين كانوا معه يتولّون مسؤوليات أمنية وعسكرية مباشرة على الأرض. ولذلك لم يكن لدى الشيخ نعيم أي اعتقاد بأنّه يمكن أن يكون خليفة نصرالله. في اليوم التالي لاغتيال نصرالله، حضر من إيران القائد العسكري الإيراني اللواء محمد سعيد إيزدي، المعروف بـ”الحاج رمضان”، مسؤول ملف فلسطين في فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وتولّى قيادة الحزب وترتيب عملية تسمية السيد هاشم صفي الدين أمينًا عامًا جديدًا خلفًا للسيد نصرالله، وبقاء الشيخ نعيم نائبًا له. هذا الحضور الإيراني المباشر لم يكن مسألة مستجدّة، بل دائمة. وآخر الأدلة على مثل هذا الأمر كانت أن القائد العسكري الإيراني اللواء عباس نلفروشان، نائب قائد العمليات في الحرس الثوري الإيراني ومسؤول ملف لبنان في فيلق القدس، قُتِل مع نصرالله في مقرّه في الغارة التي استهدفته. حتى إن قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني كان إلى جانب نصرالله في الضاحية الجنوبية خلال حرب تموز 2006. كما أن خليفته إسماعيل قاآني يُقال إنه كان في الضاحية يوم اغتيال نصرالله، ولم يظهر إلا في إيران خلال تشييع نلفروشان في 15 تشرين الأول 2024.

صفي الدين والشيخ نعيم

لم يُعلن عن تسمية السيد هاشم صفي الدين أمينًا عامًا للحزب إلا بعد اغتياله في 3 تشرين الأول 2024 في منشأة سرّية للحزب، قيل إنّها غرفة العمليات المركزية في منطقة برج البراجنة. على سبيل الاحتياط، عملت أجهزة الحزب على تدعيم هذه المنشأة بما اعتقدت أنه يمكن أن يجنّب صفي الدين نفس المصير الذي لقيه نصرالله، من خلال تزويدها بأجهزة تنفس إضافية وأوكسيجين، آخذين في الاعتبار أنها أكثر عمقًا، وأن ليس لدى إسرائيل القدرة على تدميرها. ولكن الحذر لم يلغِ القدر. دفع السيد هاشم صفي الدين ثمن قرار القيادة العسكرية الذي قضى بأن يكون في قلب غرفة العمليات حتى يرفع معنويات القيادات في الحزب والمقاتلين على الأرض، بعد سلسلة الضربات التي تلقاها منذ بداية حرب المساندة.

في كل هذا الوقت، كان الشيخ نعيم يعيش في شقة كشف لاحقًا أنّها كانت سرّية، وأنّ قرار إقامته فيها كان يحدّده “الإخوة” في الحزب. وقد كشف أيضًا أنّ الكلمة الأولى المتلفزة التي وجّهها إلى الحزب في 30 أيلول 2024، وظهر فيها يتصبّب عرقًا، سُجِّلت على السريع بقرار من “الإخوة” أيضًا، عندما حضر فريق إعلامي إلى هذه الشقة منتصف الليل وطلب منه أن يقوم ليسجّل الكلمة.

لماذا الشيخ نبيل قاووق؟

في 28 أيلول، بعد يوم واحد على اغتيال نصرالله، اغتالت إسرائيل الشيخ نبيل قاووق، عضو المجلس المركزي في الحزب وقائد وحدة الأمن الوقائي، بينما لم تقترب من الشيخ نعيم الذي فاته أن يذكر اسم الشيخ نبيل في الكلمة التي ألقاها، وذكر فيها رجال الدين في الحزب الذين قضوا في الحرب.

بعد اغتيال صفي الدين، لم يبقَ أمام إيران خيارات أفضل من تسمية الشيخ نعيم قاسم أمينًا عامًا للحزب، الأمر الذي تم الإعلان عنه في 29 تشرين الأول 2024. منذ ذلك التاريخ، تولى الشيخ نعيم المسؤولية وحاول دائمًا السير على خطى الأمينين العامين اللذين سبقاه، نصرالله وصفي الدين. وفي ظل قيادته، وافق “الحزب” على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، كما دخل في الأول من آذار 2026 حرب مساندة إيران بعد اغتيال المرشد السيد علي الخامنئي. قبل هذا الإعلان وبعده اختفى الشيخ نعيم. فهل التدابير التي يحيطه بها “الإخوة” في الحزب هي التي تحميه، أم عدم وجود قرار إسرائيلي باغتياله؟

أخبار متعلقة :