نبض لبنان

الحكومة تلعب بنار العملة بعد فشل إقالة سلامة... ضخ الدولار في السوق وتخوف من نقله عبر الحدود

لم يتمكن مجلس الوزراء، وعلى الرغم من الجلستين اللتين عقدهما في السراي الحكومي والقصر الجمهوري في بعبدا من التخفيف من ضغط الشارع، الذي عاد وانفجر مساء، وتطور الى أعمال شغب ومواجهات مع القوى الأمنية. كما ان التهويل الذي سبف الجلسة والحديث عن امكان اقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لم ينجح ولم يصل الى نتيجة. 

ففي حين كان عدد من الوزراء يعرب عن مخاوفه من "كلمة السر" لإطاحة سلامة في الجلسة في قصر بعبدا، شكّل الموقف الذي تعمد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يعلنه من بعبدا بالذات بعد الاجتماع الثلاثي الذي عقده رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس بري ورئيس الوزراء حسان دياب بيضة القبان الحاسمة في نزع موضوع إقالة سلامة من التداول كما في تهدئة الأسواق المالية ونزع الرهانات على ارتفاع جديد للدولار من المشهد المحتقن. كما ان الزيارة المفاجئة للبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى بعبدا في خضم الاجتماعات التي كانت تعقد شكّل محط دعم اضافي لسلامة لعدم المساس بموقعه.

تأثير اقالة سلامة
وفي هذا السياق، قالت المصادر في تصريحات لـ"الشرق الأوسط": "أي فراغ في موقع سلامة وعلاقاته ودوره، سينعكس على سعر الصرف لليرة"، لافتة إلى أن شبكة الأمان حول سلامة "وضعها أيضاً البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي زار قصر بعبدا واجتمع مع عون، واعتبر سلامة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه"، وهو غطاء للموقع ولحاكم مصرف لبنان من أعلى سلطة كنسية، علماً بأن الموقع يشغله عُرفاً شخص ينتمي إلى الطائفة المارونية.

وتحذر المصادر من أن إقالة سلامة "ستكون لها انعكاسات سلبية على مخاطبة صندوق النقد الدولي الذي يطلب لبنان مساعدته للخروج من الأزمة"، كما ستُضاف إلى الأزمة التي ظهرت ملامحها أول من أمس عبر السفيرة الأميركية لدى لبنان التي عكست عدم رضا أميركي عن بعض التعيينات المالية. وقالت المصادر: "بعد هذه الأزمة إزاء التعيينات التي لا ترضي المجتمع الدولي، لا يمكن تعميق الأزمة بافتتاح اشتباك مع المجتمع الدولي بإقالة سلامة". وعليه، رأت المصادر أن الحديث عن إقالته "لا يتخطى عملية (حرتقة) عليه، لا مفاعيل لها".

ماذا جرى في مجلس الوزراء؟
أما حول مجريات يوم مجلس الوزراء الطويل أمس، بجناحيه الرئاسي في السراي وبعبدا، فإنه أتى، بحسب مصادر واسعة الاطلاع لـ"نداء الوطن"، في إطار "تنفيذ مهمة مسبقة الدفع في الشارع تمت "دوزنة" حركتها بإيقاع شعبي ملتهب وبمواكبة ممنهجة من الشائعات، الهادفة إلى تأجيج الأرض وتجيير نيرانها لمآرب تخدم هذا التوجه". وبينما بدا جلياً من مواقف أركان السلطة أنّ قرار استبدال سلامة لم ينضج بعد واستعيض عنه بالتلويح به فقط، لفتت المصادر إلى أنه "من المؤكد أنّ رئيس الحكومة حسان دياب يبذل جهده للدفع باتجاه هذا الخيار، لكنه لا يزال يصطدم بحائط صدّ يجسّده موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض للإقالة، بالتوازي مع عدم حماسة رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل لخوض مجازفة إثارة غضب واشنطن، على أبواب ولادة قوائم المدرجين على عقوباتها من حلفاء "حزب الله"، فضلاً عن استمرار بكركي بإحاطة موقع الحاكم بالمظلة الكنسية الرافضة للإطاحة برمزيته".

كشفت المصادر المطلعة أنّ "ضغط الشارع سرعان ما شكّل محور اتصالات مكوكية سبقت انعقاد مجلسي الوزراء في السراي وبعبدا، وتوّجت بلقاء الرؤساء الثلاثة الذي أفضى إلى الاتفاق على المضي قدماً في اعتماد معالجة مرحلية، وفق "سيناريو" تولى بري رسمه وعمد مجلس الوزراء إلى إخراجه، بشكل ينص على عدم السير في خطوة إقالة سلامة والاكتفاء بالاتفاق معه، على اتخاذ إجراءات فورية في سبيل ضخ الدولارات في السوق"، وهكذا كان... مع تسجيل سابقة في الشكل أقله وهي تلك التي تمثلت بخروج رئيس مجلس النواب شخصياً، ليعلن مقررات مجلس الوزراء في هذا الصدد في دلالة واضحة على كونه "عرّاب" الحل وصانعه.

ضخ السيولة بعد الجلستين فما الذي حدث؟

بسحر ساحر، وبعد انتفاضة شعبية واسعة على السلطة الحاكمة مالياً وسياسياً ليل الخميس ويوم امس، بسبب الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار مقابل الليرة وتردّي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للبنانيين، قررت هذه السلطة "الافراج" عمّا لديها من مخزون الدولار لضخّه في السوق، بعد تعهد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ونقابة الصرافين بذلك، وبعدما وصلت الى مسامع سلامة معلومات عن نية جدية لدى الرئيسين ميشال عون وحسان دياب، لا سيما الاخير، بإقالته بسبب تفلت سعر الدولار بلا ضوابط وعدم التدخل في السوق. وسط تساؤلات حول كيف كان هناك عجز بضخ الدولار وكيف اصبح هناك كميات لضخها في السوق، ومن الذي كان يخفي الدولار او يتلاعب به ولأي سبب مالي او سياسي؟ فيما لوحظت بصمات رئيس المجلس نبيه بري في التسوية وايجاد الحل بزيارته قصر بعبدا قبيل الجلسة الثانية حيث التقى الرئيسين عون ودياب. كما لوحظ تشدد المجلس بملاحقة المخالفين والمتلاعبين بالنقد الى المحاكم المختصة، بما فيها المجلس العدلي واعتباره ضمنا ان المسّ بالنقد الوطني بمثابة مسّ بالامن الوطني والقومي.

فقد انعقدت جلسة مجلس الوزراء امس في جلستين، اولى صباحاً في السرايا الحكومية برئاسة حسّان دياب، وفي حضور سلامة، وجمعية المصارف والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم وانضم اليهم وفد من نقابة الصرافين، وثانية بعد الظهر في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس عون، صدرت عنها قرارات الافراج عن الدولارات وضخها في السوق.

وأفادت المعلومات أن مجلس الوزراء أخذ علما في الجلستين، بتعهد حاكم مصرف لبنان بضخ دولارات بالسوق بسعر 3850 ليرة فورا على ان يبدأ من يوم الاثنين تراجع سعر الصرف تدريجيا حتى يصل الى 3200 ليرة. 

وتم تشكيل خلية أزمة وزارية لمتابعة المواضيع المالية، وتكليف وزير الداخلية بالتشدد مع الصيارفة غير الملتزمين ووزيرة العدل بملاحقة الذين ينشرون الأخبار والمزاعم الكاذبة عن طريق المدعي العام التمييزي.

وعلمت "اللواء" ان خلية الازمة برئاسة وزير المالية وعضوية وزراء: الاقتصاد، والتنمية الادارية، والصناعة، والاعلام، وحاكم مصرف لبنان واللواء عباس ابراهيم، ورئيس جمعية المصارف ونقيب الصرافين، ومهمتها حسب القرار الرسمي: "متابعة تطورات الوضعين المالي والنقدي وتطبيق القرارات، على ان تجتمع هذه الخلية في وزارة المالية مرتين في الاسبوع، ويقدم من خلالها حاكم مصرف لبنان تقريراً مفصلاً عن التطورات وترفع خلاصة عملها بشكل دوري الى رئيس مجلس الوزراء لعرضها على مجلس الوزراء".
وكان قد سبق جلسة الصباح، لقاء بين رئيس الحكومة واللواء عباس ابراهيم، الذي قام حسب المعلومات باتصالات واسعة مع المعنيين من الرؤساء الثلاثة الى سلامة ونقابة الصرافين، لتقريب وجهات النظر بين الحكومة وسلامة، "الذي يرفض تحميله المسؤولية الكاملة لا سيما بعد افتتاح المنصة الالكترونية امس ولكن لم يحضر أي صرّاف لطلب الدولار".

ضخ المال والمخاطر
ومن هنا كان الاتفاق داخل جلسة مجلس الوزراء على العمل على ضخ الدولار في السوق من قبل حاكم مصرف لبنان لاعادة الدولار الى ما دون الـ 4000 ليرة لبنانية. وفي هذا الاطار، حذّرت مصادر سياسية ومالية عبر "النهار" من أن تكون الاجراءات الضاغطة لحمل مصرف لبنان على ضخ الدولار في السوق اللبنانية خطوة بالغة التهور نظراً الى الشكوك الكبيرة في إمكان ضبط الارتفاعات في سعر الدولار ضمن واقع الافتقار الكبير الى العملات الأجنبية وعدم تدفقها على لبنان أولاً ومن ثم نظراً الى الريبة الواسعة الكامنة وراء احتمال أن يشكّل ضخّ كميات ملموسة من الدولارات استنزافاً لاحتياط مصرف لبنان الذي يخصص الأولويات لاستيراد المواد الأساسية. أما الأخطر في تحفظات هذه المصادر عن الاجراءات التي تقرّرت أمس فتتمثل في تحذيرها من ازدياد عمليات تهريب العملات الاجنبية ولا سيما منها الدولار من الأسواق اللبنانية الى سوريا لمساندة النظام السوري بما يعني التضحية ببقايا الاحتياط النقدي اللبناني على مسرح لعبة سياسية شديدة الخطورة على لبنان. وقالت المصادر أن السلطة تذهب في اتجاه لن يضمن أي احتواء طويل الأمد للإستنزاف المالي وهي إجراءات أشبه ما تكون بلحس المبرد وسيظهر ذلك بسرعة لم يقدرها أصحاب الشأن في فرض هذه الاجراءات.
وبحسب مصادر مواكبة لـ"نداء الوطن"، فإنّ "قوى 8 آذار تعمل على تحويل المصرف المركزي اللبناني إلى مصرف "لبنان وسوريا" المركزي، خصوصاً عشية دخول قانون "قيصر" حيز التنفيذ، وبما أنها لا ترى الوقت مؤاتياً لتتحمّل مسؤولية الحاكمية مباشرةً، آثرت على نفسها إبقاء سلامة للتلطي خلفه مع مواصلة سياسة الضغط عليه لترضيخه وتطويع إمضائه". وهذا ما حصل خلال الساعات الأخيرة، تضيف المصادر، من خلال القرارات المتخذة في مجلس الوزراء والقاضية "باستكمال استنزاف الاحتياطي حتى آخر "سنت"، بغياب أي خطة إصلاحية أو مالية يمكن الركون إليها لاستدرار الدعم المالي من الخارج"، محذرةً من أنّ "ما يجري يفتقر إلى أدنى معايير الخطط المدروسة، بل هو مزيد من الإمعان في التخبط والعشوائية واعتماد سياسة الهروب إلى الأمام، ما سيقود البلد حتماً إلى تسريع خطواته نحو الهاوية"، مع التذكير في هذا السياق بأنّ "ما تبقى من احتياطي المصرف المركزي هو نحو 20 مليار دولار (على ذمة الحاكم، بينما وكالة فيتش كانت قد قدرت حجم الاحتياطي القابل للاستخدام بـ5 مليارات فقط)، وهو مبلغ لن تطول فترة استهلاكه في السوق إذا استمر ضخ الدولارات بوتيرة متزايدة، خصوصاً وأنّ المصرف المركزي يتولى في الوقت عينه عمليات دعم بمئات ملايين الدولارات، للمواد الحيوية كالمازوت والقمح والأدوية والمواد الغذائية".

الاهداف وراء التحركات
لاحظت مصادر سياسية أن الاحداث التي حصلت طوال نهار الخميس الماضي وفي الليل بدءا بالارتفاع الصاروخي لسعر صرف الدولار مقابل الليرة حيث كانت منطقة البقاع الاكثر تداولا لعمليات شراء العملة الخضراء واجواء الشحن الشعبي والتحركات في معظم المناطق، لم تكن صدفة، وانما جرت ضمن سيناريو مخطط له لتحقيق اهداف عدة.

الهدف الأول محاولة حزب الله واتباعه من النزول للمشاركة بالاحتجاجات الشعبية جنبا الى جنب مع المنتفضين بالشارع الظهور بمظهر الداعم لهذه التحركات الشعبية لمحو صورة الاعتداءات والتصدي ضد الاحتجاجات التي حصلت ليل السبت الماضي وما عليها من شعارات الشحن الطائفي والمذهبي التي كادت ان تجر إلى ردود فعل لا تحمد عقباها من جهة وللامساك بقرار وتوجهات المعترضين والتحكم بها ولو بشكل غير مباشر.

 اما الهدف الثاني المهم فهو الحملة السياسية والاعلامية المركزة ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامه والتهويل باقالتة، انما كان لأجل ابتزاز ه ولحمله على ضخ  كميات كبيرة من الدولار، كي يتم الاستحصال على قسم كبير منها لإرسالها الى سوريا لسد النقص في العملة الخضراء لديها والتي  ستتزايد مع البدء بتطبيق قانون قيصر بعد ايام معدودة.

والهدف الثالث استمرار ابتزاز حكومة حسان دياب وللتأكيد بأن مصيرها في يد حزب الله وذلك لوقف اندفاعة رئيسها في التماهي وتلبية معظم مطالب رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على حساب الاطراف الآخرين.

وازاء ذلك لوحظ انه رغم الهمروجة السياسية والاعلامية التي رافقت جلستي مجلس الوزراء بالامس والضجيج المفتعل حول اهمية القرارات المتخذة لحمل الحاكم على ضخ كميات اكبر من الدولارات في السوق، فان تأكيد الحاكم رياض سلامة على التعاميم التي اصدرها سابقا بهذا الخصوص بقيت هي ذاتها ولم تستتبع باي تعاميم جديدة، وهذا الواقع يؤكد ان ما حصل كان مفتعلا وليس عفويا.

أخبار متعلقة :