لم يعد الضغط على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مجرد حملة إعلامية أو اعتراضات أوروبية على إدارته. فبحسب تحليل نشرته صحيفة "The Guardian"، دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة مع تحرك "يويفا" قانونياً لفتح ملف خطة مثيرة للجدل تتعلق ببيع جزء من حقوق كأس العالم، وما قد يرافق ذلك من كشف وثائق ومراسلات داخلية.
وترى الصحيفة أن إنفانتينو يعيش منذ أسابيع تحت حصار سياسي وقانوني، بعد تسريب معلومات عن خطة سرية قيل إنها كانت تهدف إلى بيع أصول كروية عالمية يفترض بـ"فيفا" حمايتها، لا التصرف بها بطريقة تثير شبهات حول المصالح الشخصية والمالية.
المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت "يويفا" قادرة على كسب معركة قضائية نهائية. فبحسب التحليل، قد يكون الهدف الأهم هو دفع القضية إلى مرحلة "الكشف القضائي"، أي إلزام الأطراف بتسليم وثائق ورسائل ومراسلات داخلية. وهذه المرحلة تحديداً هي ما لا يريده معسكر إنفانتينو.
وتتهم "يويفا" في جوهر القضية "فيفا" وإنفانتينو بسوء إدارة جنائي، على خلفية مزاعم تتصل بتقليل قيمة حقوق مرتبطة بكأس العالم عند بيعها. كما تشير الصحيفة إلى أن إنفانتينو كان، في مسار غير منفصل تماماً عن الصفقة، مرشحاً للاستفادة من راتب شخصي ضخم، ولو أن هذا النوع من الترتيبات قد يُعرض أحياناً باعتباره جزءاً من ممارسات تجارية معتادة.
أول مؤشر على تغير المناخ جاء من جوش كوشنر، رجل المال المرتبط بالخطة، وشقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد قال كوشنر، بعدما طُلب إدخاله ضمن إجراءات الكشف القضائي في فلوريدا، إنه "ما كان ليتورط" في خطط "فيفا" لو عرف الصورة كاملة. العبارة بدت هادئة، لكنها حملت، وفق الصحيفة، مسافة واضحة بينه وبين إنفانتينو.
وزاد المعنى السياسي لهذه المسافة أن كوشنر استعان بالمحامي أليكس سبيرو، المعروف بتوليه ملفات دفاع عالية الحساسية، بينها قضايا لإيلون ماسك وأليك بالدوين. وتقرأ "The Guardian" هذه الخطوة كإجراء دفاعي كبير، لا كمجرد تفصيل قانوني.
في المقابل، قدمت "فيفا" رداً قضائياً مضاداً، ووصفت القضية بأنها "حملة تشويه"، لكنها في الوقت نفسه ركزت بوضوح على رفض أو مقاومة الكشف القضائي. وهنا ترى الصحيفة لب المشكلة: إذا فُتحت الوثائق والرسائل، فقد لا يعود النقاش محصوراً في صحة الصفقة، بل في شبكة العلاقات السياسية والمالية التي أحاطت بها.
العلاقة مع ترامب تشكل جزءاً حساساً من المشهد. فقد حظي إنفانتينو خلال السنوات الماضية بقرب لافت من الرئيس الأميركي، إلى حد أن الصحيفة تصفه بأنه باع عالم كرة القدم سياسياً أكثر من مرة، وكان آخرها عبر علاقة مصلحية مع ترامب في محيط كأس العالم وجائزة السلام التي أطلقها "فيفا".
لكن دعم ترامب لا يبدو مضموناً. صحيح أن الرئيس الأميركي كتب في آب رسالة دعم لإنفانتينو على منصته الاجتماعية، محذراً من أن إبعاده عن "فيفا" سيكون أمراً سيئاً، لكن الصحيفة ترى أن الدعم بدا مشروطاً وغير متبوع بأي خطوة إضافية. وفي السياسة الترامبية، كما يقول التحليل، لا توجد ولاءات ثابتة عندما يبدأ شخص ما بالخسارة أو يصبح عبئاً.
ومن هنا تأتي خطورة الملف بالنسبة إلى إنفانتينو. فإذا وجد نفسه مكشوفاً أمام وثائق ومراسلات وتفاصيل صفقة مرتبطة بأسماء قريبة من دوائر النفوذ الأميركية، فقد يفقد الغطاء الذي اعتقد أنه يحميه. فالسلطة التي منحته حضوراً ونفوذاً قد لا تبقى إلى جانبه إذا صار بقاؤه مكلفاً.
وتشير الصحيفة إلى أن "يويفا" يسعى للحصول على وثائق من "فيفا"، ومن شركة "Thrive Capital"، ومن غريغ مافي، المانح لترامب والمستشار في الصفقة. وهذه الجهات، بحسب التحليل، قد تملك آثاراً ورقية من مرحلة حصل فيها إنفانتينو على وصول واسع إلى مراكز القرار في واشنطن.
حتى الآن، يحاول إنفانتينو احتواء الأزمة عبر جولات واتصالات وتثبيت الدعم داخل الأطراف البعيدة عن أوروبا. وقد صدر موقف سعودي داعم له، لكنه جاء بصيغة محدودة، "في هذا الوقت"، لا كشيك سياسي مفتوح. كما أن مؤتمر "فيفا" في تشرين الثاني قد يكون محطة مهمة، لكن الصحيفة تلمح إلى أن الأصوات وحدها قد لا تكون العامل الحاسم إذا بدأت الوثائق بالخروج.
وتستحضر "The Guardian" ما جرى سابقاً مع سيب بلاتر وميشال بلاتيني، حين فتحت قضية دفعة مالية واحدة الطريق أمام انهيار كبير في قمة كرة القدم العالمية. والمقصود هنا أن النهايات في "فيفا" لا تبدأ دائماً بانفجار كبير، بل أحياناً بتفصيل قانوني يبدو محدوداً ثم يكبر.
لهذا تبدو معركة "الكشف القضائي" أخطر من أي بيان أو مقابلة. فإذا نجح "يويفا" في إبقاء الضغط مفتوحاً، فقد تظهر من الوثائق أمور لا يستطيع إنفانتينو السيطرة عليها، أو لا يستطيع حلفاؤه الدفاع عنها.
أخبار متعلقة :