نبض لبنان

واشنطن: الحرب تنتهي في إيران ولا تنتهي في لبنان

كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:

ثمّنت بعض أوساط واشنطن مطالبة الرئيس جوزاف عون الولايات المتحدة رسميًا بالتوسط في محادثات سلام مباشرة مع إسرائيل لإنهاء القتال، ووصفتها بالخطوة “الدبلوماسية غير المسبوقة”، فيما اعتبرت أوساط أخرى أن هذا المطلب يعكس قلق لبنان البالغ إزاء حجم الدمار وخطر الانهيار. غير أن الرد الأميركي غير الرسمي جاء فاترًا بشكل ملحوظ. فقد أبدى مسؤولون أميركيون شكوكًا حول قدرة لبنان أو رغبته في تلبية الشروط الأميركية القائمة منذ فترة طويلة، ولا سيما نزع سلاح “حزب الله”، مشيرين إلى فشل تجربة نزع السلاح بنسبة كبيرة.

وانتقدت مصادر أميركية عبر “نداء الوطن” “سذاجة الحديث عن السلام”، مشيرة إلى أنه يجب البدء بالحديث عن وقف إطلاق نار، ومن ثم تحويله إلى وقفٍ فعلي للأعمال العدائية، والبناء عليه لإعادة تعزيز الثقة بلبنان. وأشارت المصادر إلى أنه على لبنان الاقتداء بمعاهدات السلام الناجحة التي أبرمتها الأردن ومصر، إذ إنها سمحت لتلك الدول بتجاوز فترات التوتر الشديد، والحفاظ على السلام في ما بينها. ودعت هذه المصادر لبنان إلى التفكير استراتيجيًا في كيفية رسم المستقبل بعد الصراع. وكانت التقارير الصحافية قد أشارت إلى أن بيروت تواصلت مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك للتوسط مع إسرائيل، إلا أن الخارجية الأميركية شددت على أن السفير الأميركي إلى لبنان ميشال عيسى هو الذي نقل مقترح عون إلى الأميركيين والإسرائيليين. وهو صاحب الكلمة الفصل خصوصًا وأن موضوع السلام مع إسرائيل إضافة الى الإصلاحات السياسية والاقتصادية يتصدر أجندته منذ تسلمه مهامه.

وتتقاطع مصادر عسكرية وسياسية أميركية بالإشارة إلى أن قيادة الجيش “قاومت” نشر قواتها ضد “حزب الله”، مُعللة ذلك بمخاطر الانقسام الداخلي والصراع الأهلي. وقد أدى هذا التردد إلى تعزيز شكوك واشنطن بشأن قدرة لبنان على تنفيذ وصون أي اتفاق مستقبلي للسلام، ما زاد من فتور الحماسة لمحادثات مباشرة. إضافة إلى ذلك، شدد مسؤول أميركي لـ “نداء الوطن” على أن موقف واشنطن الحالي من لبنان يقوم على إعادة تقييم أوسع للدبلوماسية الأميركية في المنطقة.

وبحسب التقارير، فإن الاقتراح/المبادرة يشير إلى أن كل لبنان، لا سيما “الثنائي الشيعي”، قد يكون منفتحًا أيضا على هذه التسوية، غير أن مصادر واشنطن اعتبرت أن ذلك “غير مقنع”، وأنه من دون إنهاء دور “حزب الله” العسكري بشكل قاطع، أو حتى الذهاب أبعد واعتباره منظمة إرهابية، فإن واشنطن لن تضغط على إسرائيل للجلوس إلى طاولة المفاوضات. من هنا، يشدد الخبراء الأميركيون في الموضوع اللبناني الإسرائيلي على أن لبنان “is not out of the box yet” وأن واشنطن تعرف – وهي موافقة – على أن تل أبيب مستعدة لحملة مطولة ضد “حزب الله” يُرجح أن تستمر حتى بعد انتهاء الحرب مع إيران.

بالنسبة للبنان، اعتبرت مصادر دبلوماسية أميركية أن “نداء الرئيس عون يعكس حالة من اليأس”، مع العلم أنها “البديل الدبلوماسي الوحيد الممكن” لتجنب مزيد من الدمار. لكن لم يُبدِ المسؤولون الأميركيون حماسة فورية تُذكر لطلب لبنان، ما يعكس اقتناعًا أميركيًا سلبيًا بقدرة بيروت على الوفاء بأي التزامات قد تقطعها على طاولة المفاوضات.

وتُعدّ مشكلة “حزب الله” محورية، خصوصًا وأن المسؤولين الأميركيين قد عبّروا مرارًا وتكرارًا عن استحالة أي خطوات دبلوماسية فعّالة من دون اتخاذ لبنان إجراءات جدية وملموسة لكبح أو تفكيك القدرات العسكرية لـ “الحزب”. وذكر مسؤولون أميركيون لـ “نداء الوطن” أن أي محادثات دون اتخاذ خطوات حقيقية ضد “حزب الله” ستكون “عبثية”، مرددين بذلك موقفًا أميركيًا راسخًا متجذرًا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.

ويؤكد هذا الموقف تقييمًا أميركيًا أوسع نطاقًا يشير إلى أن بيروت تستسهل اللجوء إلى السلام عندما تكون “under the guns”، وأن القيادات اللبنانية السياسية والعسكرية تفتقر إلى سيطرة فعّالة على أراضي الدولة… وبدون آلية تنفيذ موثوقة، لا ترى واشنطن جدوى تُذكر في محادثات قد تنهار سريعًا.

ويعكس الموقف الأميركي توازنًا دقيقًا، إذ تسعى واشنطن لتوخي الحذر. فبدلًا من السعي إلى محادثات سلام فورية، تركّز أوساط دبلوماسية قريبة من البيت الأبيض على التنسيق العسكري مع إسرائيل لردع أذرع إيران. ما يعني أنها تسعى الى دبلوماسية مشروطة مقرونة بخطوات استباقية تُنهي “حزب الله”.

ويُؤثر الداخل الأميركي أيضًا على نهج واشنطن. فالكونغرس بحزبَيه  لديه عداء عميق تجاه “حزب الله” مقرونًا بدعم قوي لإسرائيل، ما يعني أن الإدارة لديها هامش محدود للمناورة ولن تنخرط في محادثات تُضفي شرعية على “حزب الله” ويُنظر إليها على أنها قد تمثل خشبة خلاص له. وهذا ما يُفسر سبب تركيز واشنطن على تنفيذ الشروط المسبقة بدلًا من الوساطة من خلال الإصرار على نزع سلاح “حزب الله” كشرط أساسي. وبذلك، تُحوّل واشنطن المسؤولية فعليًا إلى بيروت، متجنبةً المواجهة المباشرة مع إسرائيل أو الكونغرس.

في غضون ذلك، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على تقديم 40 مليون دولار كمساعدات طارئة للبنان عبر وحدة المساعدات الخارجية، وسيتم صرف الأموال هذا الأسبوع.

ومع أن السلام بين إسرائيل ولبنان يبقى بالنسبة لواشنطن هدفًا معلنًا، ولكن فقط في ظل شروط تعتبرها ذات مصداقية وقابلة للتنفيذ. إلى حين توافر تلك الظروف، فإن السياسة الأميركية لا ترتبط بجهود صنع السلام الفعّالة بقدر ما تُحدد بالاعتبارات الاستراتيجية، ما يجعل مصير لبنان مرتبطًا إلى حد كبير بساحة المعركة لا بطاولة المفاوضات.

أخبار متعلقة :