نبض لبنان

ترامب يحاصر إيران بسلاح الاقتصاد

كتبت أورور كرم في نداء الوطن:

منذ دخول الحرب الأميركية مع إيران مرحلة الاستنزاف، ترسّخت رواية مفادها أن إدارة دونالد ترامب تتخبّط في تحديد ما تريده من هذه المواجهة. وهذه الرواية ليست بلا أساس. فالأهداف التي رُفعت في البداية كانت بحجم حرب قادرة على إعادة تشكيل إيران نفسها: من الاستسلام الكامل إلى تغيير النظام، مرورًا بضمان عدم امتلاك طهران سلاحًا نوويًا، وصولًا إلى إنهاء دعمها لأذرعها، وفي مقدّمها “حزب الله”. لكن بعد ستة أشهر، يصعب العثور على معظم هذه العناوين في تعريف واشنطن الحالي للانتصار.

اختصر نائب الرئيس جيه دي فانس أخيرًا الأولويات في هدفين: ضمان استمرار تدفّق النفط والغاز من الخليج بما يحافظ على استقرار أسعار الطاقة، وضمان عدم امتلاك طهران سلاحًا نوويًا. والمفارقة ليست فقط في اختفاء تغيير النظام والأذرع الإيرانية من اللائحة، بل في أن استقرار الطاقة سبق حتى الملف النووي في ترتيب فانس.

للوهلة الأولى، يبدو ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن سقف الحرب انخفض. لكن هذا الاستنتاج يفترض أن واشنطن لا تزال تخوض الحرب بالأدوات نفسها التي بدأت بها. والواقع أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة تمامًا: من محاولة فرض النتائج بالقوّة العسكرية إلى محاولة فرضها بالخنق الاقتصادي.

من هنا يمكن قراءة إعلان ترامب إطلاق حرب اقتصادية غير مسبوقة على إيران، وتحذيره حتى الدول التي تساعد طهران من عواقب اقتصادية. فالضغط لم يعد موجّهًا فقط إلى القدرات العسكرية الإيرانية، بل إلى قدرة الدولة نفسها على تمويل الحرب والاستمرار فيها.

وهنا تحديدًا تكمن نقطة الضعف الإيرانية. فطهران تستطيع التعايش مع حرب عسكرية طويلة أكثر ممّا تستطيع التعايش مع حرب تستنزف اقتصادًا كان يعاني أصلًا قبل المواجهة. ولم ينتظر الرئيس مسعود بزشكيان العقوبات الجديدة ليحذّر من الوضع الداخلي. الاقتصاد كان في صلب خطاباته وهواجسه، قبل أن يأتي الحصار البحري وتراجع القدرة على تصدير النفط والعقوبات لتضيف طبقات جديدة من الضغط.

أمّا الريال الإيراني، فتحوّل إلى المؤشر الأكثر وضوحًا على هذا الاختناق. فقد تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 1.8 مليون ريال خلال موجات التصعيد، فيما بلغ التضخم السنوي مستويات تقارب 66 في المئة، ووصل ارتفاع الأسعار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق إلى مستويات تقترب من 88 في المئة. حتى إصدار ورقة بقيمة 10 ملايين ريال بات صورة تختصر حجم التآكل الذي أصاب العملة والقدرة الشرائية.

لكن الأزمة الاقتصادية لا تعني تلقائيًا أن إيران أصبحت جاهزة للتنازل. على العكس، لا تزال القيادة الإيرانية تُظهر تشدّدًا، فيما تبدو قنوات التفاوض نفسها ملتبسة. وإعلان ترامب أنه على تواصل مع “الحرس الثوري” يكشف مشكلة إضافية: واشنطن لا تبحث فقط عمّا يمكن انتزاعه من إيران، بل أيضًا عمّن يملك القدرة الفعلية على التفاوض وتقديم الضمانات داخل النظام الإيراني. وهنا، تصبح المقارنة بين أهداف الشهر الأوّل وأهداف الشهر السادس أقلّ بساطة.

نعم، يمكن القول إن ترامب تراجع عن بعض سقوفه، وإن تغيير النظام والاستسلام الكامل لم يعودا معيارين معلنين للنصر. لكن يمكن أيضًا قراءة ما يحصل باعتباره انتقالًا من محاولة تحقيق الحدّ الأقصى بضربة عسكرية إلى محاولة انتزاع الممكن عبر استنزاف اقتصادي طويل. لذلك، لا تكفي مراقبة ما تخلّت عنه واشنطن من أهداف للحكم على نتيجة الحرب، إذ ثمّة معادلة أخرى تتشكّل في المقابل: كلّما خفّض ترامب سقف مطالبه، رفع كلفة رفض إيران لها.

وعليه، قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في إخضاع إيران عسكريًّا، بل أيّ من الطرفين قادر على الصمود أكثر: إدارة أميركية باتت تقبل بأهداف أقلّ، أم نظام إيراني يُطلب منه أن يدفع ثمنًا اقتصاديًا أعلى كلّ يوم مقابل رفضها؟

أخبار متعلقة :