في عام 1938، بدأ باحثون في جامعة هارفارد دراسة لمتابعة حياة مجموعتين من الشباب؛ الأولى ضمّت طلابًا متفوقين في الجامعة، من بينهم الرئيس الأميركي الراحل جون إف. كينيدي، والثانية شملت مراهقين من أحياء فقيرة في مدينة بوسطن خلال فترة الكساد الكبير.
ومع مرور السنوات، توسّع البحث ليشمل النساء والأبناء، ليصبح أطول دراسة متواصلة عن حياة البالغين في التاريخ، مع نسبة انسحاب منخفضة جدًا، وتناوب أجيال من العلماء على متابعته والحفاظ على استمراره.
وبعد أكثر من ثمانية عقود، ومئات الدراسات والاستبيانات والفحوص الطبية والمقابلات، توصّل الباحثون إلى تحديد أبرز العوامل التي ترتبط بالصحة الجسدية والنفسية في مراحل العمر المتقدمة.
النتيجة المفاجئة كانت أن السعادة لا ترتبط بالمال أو الشهرة أو الذكاء أو حتى الجينات، بل بجودة العلاقات الإنسانية.
ومنذ نحو ثلاثة عقود، لاحظ الباحثون أن الأشخاص الأكثر رضًا عن علاقاتهم العائلية والاجتماعية في منتصف العمر يتمتعون بصحة أفضل عند التقدّم في السن، ويكونون أقل عرضة للأمراض وأكثر قدرة على التعافي.
وقال الطبيب النفسي روبرت والدينجر، المدير الحالي للدراسة، خلال إحدى محاضرات TED عام 2023، إن الفريق لم يصدق النتائج في البداية، متسائلًا كيف يمكن للعلاقات أن تؤثر في صحة الجسد إلى هذا الحد.
كما أظهرت النتائج أن العزلة والشعور بالوحدة يرفعان خطر الوفاة المبكرة بأكثر من 25%، وقد ينعكسان سلبًا على وظائف الدماغ وبنيته، فيما تبيّن أن نوعية العلاقة أهم من عددها، إذ إن الروابط العميقة والمستقرة تمنح أثرًا أكبر من كثرة المعارف.
وفي دراسة خضعت لمراجعة علمية عام 2010، تبيّن أن كبار السن الذين كانوا راضين عن حياتهم الزوجية تمكنوا من التعامل بشكل أفضل مع الضغوط المرتبطة بتدهور الصحة، بينما ساهمت العلاقات غير المريحة في زيادة الشعور بالتعاسة.
ولا تزال دراسة تطوّر البالغين في هارفارد تُعدّ مرجعًا علميًا فريدًا لفهم السعادة، مؤكدة أن العلاقات الاجتماعية المتينة تشكّل أحد أهم مفاتيح الحياة الطويلة والصحية والمليئة بالمعنى.
ومع دخولها عقدها التاسع، يواصل الباحثون تحديث بيانات الدراسة، على أمل مساعدة الناس على عيش حياة أكثر توازنًا وهدفًا، لتبقى واحدة من أكثر الدراسات إلهامًا في تاريخ علم النفس. (آرم نيوز)