كتبت غادة حلاوي في صحيفة “نداء الوطن”:
تثير علاقة التيارين الأزرق والبرتقالي جدلية واسعة مليئة بالتناقض والتباين كما التوافق والتنسيق، وتحكمها خصوصية من الدفء احياناً والبرودة احياناً كثيرة. فهي ليست نمطاً معهوداً من التحالفات التي عرفها اللبنانيون او سارت عليها الأحزاب والقوى اللبنانية، ولكنها حتماً أتت وليدة حاجة الطرفين لتحقيق أهدافهما المشتركة وتنظيم خلافاتهما، فحليف الحليف ليس حليفاً او حتى صديقاً ولكن شبه للجميع انه تحالف استراتيجي بين الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل قائم على التسوية والتفاهم على الرئاستين الاولى والثالثة، والرضوخ لشرعة الانتخابات النسبية التي حجّمت خصومهما باستثناء “حزب الله” و”القوات اللبنانية”.
وبقيت العلاقة تتجاذبها عقدة التحجيم للآخرين وتحكمها المصالح المادية والصفقات الى ان أُطيح بعرابها نادر الحريري ونُحي جانباً لتأخذ بعدها العلاقة بين الرجلين مساراً لا يخلو من شد الحبال والوقوف على خاطر كل حليف من حلفائهما.
فالرئيس والوزير يكابدان من اجل الحفاظ على المنجز من التنسيق والتعاون، ولكن الظروف المتسارعة تبدو أكثر تأثيراً على آلية هذه العلاقة التي تخضع لتقويم الربح والخسارة في ما حصده كل من الطرفين، وإن كانت تميل بالنقاط لمصلحة الحريري الذي وسّع حجم التعاطف معه، في حين ان باسيل يثير على الدوام اشكاليات تهدف الى زيادة الالتفاف المسيحي حوله، على وقع شعارات لا يطمئن اليها حلفاؤه غالباً وفي مقدمهم “حزب الله” الذي يشرّع له ما لا يحلّله لغيره.
يقدم خصوم الحريري جردة حساب تبرهن من وجهة نظرهم ضعفه وتراجع سلطته مقابل طغيان حضور باسيل، “من النواب الخمسة الذين خسرهم في انتخابات نيابية خاضها وفق قانون فصّل على قياس باسيل ولأجله، الى التعيينات في مواقع الدولة ومفاصلها، سواء في المناطق او في طرابلس حيث توظيفات باسيل التي حصلت بأعداد كبيرة دون اعتراض من الحريري أو أي من فاعليات طرابلس، الى مصفاة البداوي، الى كتاب العدل وصولا الى اوجيرو”… تطول الجردة ليخلص اصحابها الى نتيجة مفادها ان الحريري تراجع.
ولكن ما يراه الآخرون تراجعاً يعتبره المقربون من الحريري تضحية في سبيل البلد “منعاً لجر الاوضاع نحو الاسوأ”.
بأقل تعبير، يرى النائب السابق مصطفى علوش ان “جبران باسيل شخصية استفزازية تصل لحد الكره بالنسبة الى القاعدة الشعبية التي ينطلق منها سعد الحريري”. برأيه، “مجرد ان يتفاهم الحريري او يتحالف مع شخص من هذا النوع يعني انه يفقد نوعاً من التأييد يصل لحد القطيعة ضمن الجمهور المستند اليه”. ولا يجد جمهور “المستقبل”، وفق علوش، “أي تفسير منطقي للاستمرار بالعلاقة خصوصاً وان هذه العلاقة بين الرجلين لم تكسر حدة الخطاب الاستفزازي لباسيل”، لماذا؟ لأن باسيل، وفق توصيفه، “ليس من الشخصيات التي يمكن حصرها او احتواؤها”.
لا ينفي علوش “ان الحريري هدر كثيراً من رصيده بسبب العلاقة مع باسيل على أمل ان يحقق مكاسب على صلة بالاستقرار السياسي في البلد وعلى مستوى التفاهم مع رئيس الجمهورية ميشال عون، فاذا بالنتيجة، مزيد من التأزم السياسي والخسارة الاقتصادية بدليل ان لا نتائج ملموسة لمؤتمر سيدر لغاية اليوم ولا استقرار سياسيا”، ما يعني “ان خسائر الحريري تزيد على خسائر اي طرف آخر نتيجة تحالف مع طرف لا يعنيه مدى تقبله او رفضه من الطرف الآخر، بقدر ما يهمه التأثير على قاعدته الشعبية وهو ينجح بذلك بدليل تماهي الجمهور العوني معه”.
لكن في المقابل لا يتم، حسب علوش، “تقريش الواقع” بالملموس، بمعنى ان الحريري ليس مستعداً لان يسير في التعيينات وفق ما يرتئيه باسيل”.
صحيح ان باسيل استطاع ان ينال 11 وزيراً في الحكومة، ما يخوله امكان اسقاطها ساعة يشاء وان يضع الفيتو على مسائل اساسية تطرح على بساط البحث، لكن لو كان باسيل مسيطراً على الحريري لما اضطر للاصرار على حصة 11 وزيراً”.
من المؤشرات التي تؤكد عدم تماهي الحريري مع باسيل “ظهور ملف البند رقم 80 في الحكومة وما تفرع عنه”، فهذا بحد ذاته” يمكن ان يظهر تطوراً خطيراً لا يمكن للحريري الا ان يواجهه. يحفظ هذا البند حقوق الناجحين في مجلس الخدمة وهذا حقهم الدستوري والقانوني، بخاصة ان الدستور ينص على المناصفة في مراكز الفئة الاولى فقط، والحديث عن المناصفة في كل المراكز مخالف للقانون ومخالف لروحية اتفاق الطائف ويشير الى عزم باسيل على مخالفة الطائف بالممارسة”.
باسيل ليس مقبولاً في الوسط السني، مسألة يحرص علوش على تأكيدها، “لو أضاء باسيل أصابعه العشرة للشارع السني لن يقول له اهلاً وسهلاً” ولكن هذا لا يعني ان “استمراره على هذا النهج لن يفجر البلد”. وطالما هذا هو الواقع فلمَ يستمر الحريري على صمته؟ يجيب علوش: “لا يمكن للحريري ان يبقى صامتاً، وهذا صحيح، ولكنه يصمت لانه يحاول الا يفجر البلد، وفي نهاية المطاف مجلس الوزراء لن يعقد الا بناء على دعوته ووفق ما يحدده هو في جدول الاعمال”.
تحالف مصالح
وما بين الحليف والخصم ثمة انطباع لدى السياسيين بأن التحالف بين الحريري وباسيل “تحالف مصالح”، و”تقاسم مغانم” دخله باسيل بصفته شريكاً مسيحياً في السلطة، رافعاً لواء استعادة الحصص المسيحية “على القلم والورقة” في كل الصفقات وصولاً الى الزبالة.
ومنذ البداية أراد الحريري وزارة الاتصالات، فتنازل بالمقابل عن وزارة الكهرباء والطاقة لباسيل. مشيا في تعيينات الفئة الاولى بالمبدأ ذاته، على قاعدة تقاسم القديم مع الشريك المسيحي الجديد. بالاتفاق يقرر باسيل حصة القوات من عدمها. وعلى هذا المنوال كانا يتقاسمان مؤسسات معينة، ومؤسسات تكون عبارة عن “محمية خاصة” يتصرف بها كل طرف وفق مصلحته.
أخبار متعلقة :