الفوضى تفتك بالدولة بتواطؤ سياسي ومالي ربحي

الفوضى تفتك بالدولة بتواطؤ سياسي ومالي ربحي
الفوضى تفتك بالدولة بتواطؤ سياسي ومالي ربحي

كتب أنطوان الأسمر في “اللواء”:

 

تشرف الفوضى المنظّمة المشوبة بتواطؤ ربحيّ مالي وسياسي، على تجاوز الحد المقبول به في سياق المنظومة التي تحكم المشهد السياسي منذ بدء رئاسة العماد ميشال عون. ومن الواضح أن ثمة غرفاً تدير الكثير من التفاصيل، والأهم تشرف على بث كل مظاهر الشائعات التي تتغذى من سوء تدبير اللبنانيين لأحوالهم ومن النقص الفاضح في مناعتهم الوطنية والذي يجعلهم عرضة الى كل صنوف التلاعب بهم وبمعيشتهم. وإلا كيف يمكن تفسير ركونهم الى أي شائعة ترمى قصدا والتحرك في ضوئها، من مسألة مساواة الجميع في سرقة المال العام والإثراء غير المشروع من أموالهم  وخزائن الدولة (وهو أمر مقصود يرمي حصرا الى تضييع القدرة على المحاسبة ويجري إتباعه بحرفية وإتقان غير مسبوقين منذ قيام الجمهورية الثانية وصولا الى دين الـ100 مليار دولار)، الى المحروقات والتلاعب الحاصل في سوق القطع (بعضه بغية الكسب السريع وبعضه الآخر قاصر مخافة إنهيار مسوّق له، وغالبه بغاية سياسية واضحة تأتي في سياق الإنهاك الممنهج لعهد ميشال عون وجمهوريته التي قامت أساسا على مبدأي الإصلاح والتغيير).

لا يخفى أن شيطنة العهد تتعدى إستهداف مصداقيته وتكبيله ومنعه من تحقيق أي من مندرجات خريطة الطريق الواردة في خطاب القسم، الى محاولة تلمّس درب جديدة تمهّد الى تأطير مبكر للإنتخابات الرئاسية، وترسيم خارطة طريق تقوم على عاملين إثنين:

أ-إسقاط نظرية الرئيس القوي، وإستطرادا المرشح الرئاسي الأقوى في بيئته المسيحية والمارونية (وهو أمر يستهدف سمير جعجع بقدر ما يستهدف جبران باسيل). ولا تخرج عن هذا السياق المحاولة القائمة لتغيير مبكر في قانون الانتخاب، هي في جوهرها سعي الى نسف المفهوم الناظم للدولة القوية والعادلة وفي ضوئه تكوّنت نظرية الرئيس الممثل لبيئته.

ب-قطع الطريق على ما يُفترض أنه يشكّل إستمرارية لعهد عون، والمعني بذلك باسيل. ولم يكن عبثيا أن يُستهدف العهد منذ عامه الأول، أي قبل 5 أعوام من إنتهائه، بذريعة انه يعمل على توريث الرئاسة، او أن ثمة رئيسا ظلا يتقدّم على الرئيس المنتخب ويسيّر الجمهورية على هواه!

كما لا يُخفى أن العاملين على هذا الإستهداف المبرمج حققوا الكثير مما يساعدهم في تسويق نظرية الفشل الرئاسي. إذ لا يغيب عن البال أن تعميم السرقة على انه سلوك متأصل في الطبقة السياسية، قديمة كانت أم جديدة، يثير الجمهور وينسيه أي حسنات أخرى تحققت أو في هي طور التحقق، من قانون الانتخاب الى إعادة الانتظام المالي للدولة، مرورا بتكريس قسري للثروة النفطية رغما عن مافيات النفط، وليس إنتهاء بالعودة الى مفهوم إنتقال السلطة كجزء من الانتظام العام، وخصوصا في المواقع المفتاحية على مستوى المؤسسات إثر ممارسات تمديدية شائنة معاكسة ومقصودة إمتدت أعواما طوال. كما أن تعميم السرقة على انها مرادفة للعمل في الشأن العام نجح في أحيان كثيرة في إبتكار حال من الغضب الأعمى لدى الجمهور من كل الطبقة السياسية، ما يلبث أن يتراخى ويتلاشى ليتحوّل الى نوع من العمى المذهبي المسيّر كالقطيع يوم الانتخاب، يقي المرتكبين أيا من احتمالات المحاسبة.

لا ريب أن أحد تجليات سلوك التعمية هذا يتمثّل في ما نشهد من قذف لمسؤولية شبح الانهيار، المسوّق له راهنا على أعلى المستويات وبتواطؤ مثير عند شركاء مفترضين، على عاتق العهد وتحميله جريمة الدين العام وخدمته المرهقة وإرهاصاته الثقيلة، الى جانب الأزمات الناتجة من هذه الجريمة كالتلاعب بسوق القطع وإخفاء الدولار والمحروقات وإنقطاع الكهرباء- الفضيحة القائمة بذاتها منذ أن قرر المتضررون إياهم إعدام خطة العام 2010 ومن ثم حصر سبب الازمة بمنصتي الإنتاج العائم بدل التمعن في المسببات الحقيقية من توظيف سياسي عشوائي بالمئات الى تعطيل عمل شركات الخدمات ومحاولة نسف محاولات الإنتقال الى الذكاء الإصطناعي من خلال العدادات الحديثة المؤتمتة- وليس إنتهاء بقطاع الاتصالات وفضائحه الغنّاء المتنقلة من سرقة موصوفة للمال العام بمليارات الدولارات الى مذهبة غير مسبوقة لخدمات هذا القطاع وبناه التحتية، ومحاولة جعله محمية طائفية – مذهبية على غرار قطاعات خدماتية أخرى، بحيث يتحوّل أي سعي جديّ للمحاسبة والاصلاح الى مسّ بمذهب ومرجعية ومقام.

في هذا السياق، لا يُنظر الى لجنة التحقيق البرلمانية المنوي طرح تشكيلها في أول هيئة عامة في مجلس النواب، سوى محاولة محكوم عليها بالفشل المحتّم، بدليل الإنقسام السياسي الذي شاب توقيع الكتل عليها (لم توقع كتلتان لإعتقادهما بأن ثمة استهدافا سياسيا)، فيما لا تفوّت إحدى الكتل الموقّعة على طلب تشكيل اللجنة فرصة لتبرير توقيعها ليس امام جمهورها بل حيال حليف مُفترض يعتبر أن اللجنة صُمّمت على قياس النيل منه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى