انتخابات مجالس الطلاب في اللبنانية على وقع المناصفة الطائفية

انتخابات مجالس الطلاب في اللبنانية على وقع المناصفة الطائفية
انتخابات مجالس الطلاب في اللبنانية على وقع المناصفة الطائفية

تعود الانتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية، ليس لكونها مجرّد استحقاق إداري، بل على أساس أنّها حدث سياسي بامتياز. 17 عاماً من الغياب جعلت المجالس الطلابية تتحوّل إلى فراغ مفتوح على كل أشكال الاستقطاب غير المنظَّم، وعلى نشاط حزبي بلا أطر تمثيلية واضحة. ومع إعلان رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران عزمه على إعادة هذا الاستحقاق في نهاية شباط المقبل، تعود الجامعة إلى واجهة الاشتباك السياسي – الشبابي، بكل ما يحمله ذلك من رهانات وأسئلة.

ووفق مصادر “المدن”، سبق لبدران أن عقد اجتماعاً لمسؤولي المكاتب التربوية للأحزاب السياسية قبل أكثر من عشرة أيام، استعرض خلاله تنظيم الانتخابات الطالبية. ورغم أن الاجتماع خرج بإعلان إجراء الانتخابات، إلا أن إحدى العقبات التي لم تحل بعد تتمثل بمطالبة القوى المسيحية “بالمناصفة” حتى في انتخابات الطلاب. وبمعنى آخر، لم يعد يقتصر الأمر على توظيف الأساتذة أو توقيع العقود مع الأساتذة، بل باتت “المناصفة” بين المسيحيين والمسلمين مطلباً يشمل حتى انتخابات الطلاب. 

وبعيداً من هذه “العقدة الطائفية”، وبحسب معلومات “المدن”، فإن إجراء الانتخابات خلال الشهر المقبل لن يكون ممكناً حتى على المستوى التقني. ففي عدد من الكليات يصعب إجراء الانتخابات لأسباب لوجستية، أبرزها أن غالبية طلاب الجامعة لا يملكون بطاقات تعريف جامعية، ما يعقّد العملية الانتخابية ويهدد شفافيتها.

الجامعة… عصب المجتمع وساحة التعبئة

الجامعة اللبنانية ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل هي عصب يمرّ عبره معظم المجتمع اللبناني. عشرات آلاف الطلاب، من مختلف المناطق والانتماءات، يجعلون من المجالس الطلابية هدفاً مباشراً للأحزاب. السيطرة على هذه المجالس تعني أكثر من فوز انتخابي: هي قدرة على التعبئة، وتنظيم الأنشطة “المرمَّزة”، وخلق مساحات ثقافية وسياسية تُستخدم كرافعة شبابية متعلّمة ومثقفة، تُغذّي الأحزاب بالكفاءات والطاقات.

من هذا المنطلق، تُعدّ الانتخابات عامل استقطاب أساسي، وفرصة لإظهار “القوة الناعمة” لكل حزب: وضوح رؤيته الشبابية، قدرته التنظيمية، ومستوى اندفاع طلابه. وعلى الصعيد الخدماتي، فإن من يفوز بالمجالس يملك هامشاً واسعاً للتحكم بالنشاطات، من الندوات الحزبية إلى الحضور الرمزي في الكليات.

لا اعتراض… لكن الهواجس كثيرة

مبدئيا، لا تعارض أي من القوى السياسية إجراء الانتخابات. غير أن درجات الجهوزية متفاوتة، كما أن القلق الأساسي لا يرتبط بفكرة الانتخابات بحد ذاتها، بل بمسارها. قوى رئيسية تشدّد على ضرورة “الذهاب إلى النهاية”، أي عدم الاكتفاء بانتخاب المجالس الفرعية، بل استكمال الخطوات الإجرائية بتشكيل مجلس مركزي للجامعة، ومن ثم انتخاب رئيس ونائب رئيس، بما يضمن إعادة بناء التمثيل الطلابي كاملاً.

في المقابل، تُطرح تساؤلات جدّية حول إمكانية إجراء الانتخابات في شباط، كما يريد بدران. فالوقت قصير، وشرح آلية الاقتراع والقانون الانتخابي لم يُنجز بعد، والأجيال التي دخلت الجامعة خلال 17 عاماً لم تختبر أي عملية انتخابية مماثلةتضاف إلى ذلك مخاوف من استغلال تسجيل طلاب وهميين ومن نفوذ بعض الجهات للتأثير في القرار الانتخابي، فضلاً عن هواجس لوجستية بدأت تظهر إلى العلن.

معركة سياسية بلباس طالبي

في خلفية المشهد، تبرز معركة أساسية بين طلاب “الثنائي” و”القوات اللبنانية”، ولا سيما طلاب حركة أمل، صاحبة الانتشار الواسع في الجامعة اللبنانية، والتي أظهرت في السنوات الأخيرة قوة لافتة في الجامعات الخاصة. 

عبدو عماد، رئيس مصلحة الطلاب في حزب القوات اللبنانية، يؤكد لـ”المدن” أن حزبه كان من المطالبين الدائمين بعودة الانتخابات، قائلاً: “لدينا إيمان واضح بأن الانتخابات سليمة للجامعة وللطلاب، وهي مساحة تنافس ديمقراطي حقيقي”. ويضيف أن الجهوزية لم تتوقف يوماً، “فغياب الانتخابات لم يكن يوماً مبرراً لغياب النشاط الحزبي”. أما بشأن احتمال التأجيل لما بعد رمضان، فيعتبره أمراً مفهوماً تقنياً، شرط أن “تحترم إدارة الجامعة الآلية التنفيذية للقانون وتكمل بالمسار الذي بدأه رئيس الجامعة”.

أما حركة أمل، فتتقدم الصفوف بخطاب مزدوج: دعم مطلق للانتخابات، وتحذير من اختزالها. هادي محمد، رئيس قسم الجامعة اللبنانية في مكتب الشباب والرياضة المركزي، يقول لـِ “المدن”: “منذ خمس سنوات نطالب بالانتخابات، ونحن على جهوزية تامة لخوض أي استحقاق”. لكنه يطرح سؤالاً مباشراً: “بعد انقطاع 17 سنة، هل الإدارة قادرة خلال شهر على تنظيم انتخابات بهذا الحجم؟ نحن أمام تجربة جديدة، وعدد الطلاب بالآلاف”.

يشدد محمد على رفض “الانتخابات الصورية”، مطالباً بتجهيز حقيقي، وباستكمال المسار وصولاً إلى تشكيل اتحاد طلبة لبنان، خارج القيد الطائفي والمناطقي، معتبراً أن هذا الاستحقاق “لا يقل أهمية وتعقيداً عن الانتخابات النيابية”.

من جهته، يشير ميشال الغاوي، نائب منسق قطاع الشباب في التيار الوطني الحر، إلى أن التحضيرات بدأت منذ فترة طويلة، لكنه يلفت إلى أن “الفترة قصيرة لاستحقاق انقطع 17 سنة”، وهذا ما يتطلب جهداً مضاعفاً من الإدارة والأحزاب لإعادة درس القانون، مؤكداً في الوقت نفسه الوقوف إلى جانب رئيس الجامعة لإنجاح الاستحقاق.

يوضح محمد كنج، مسؤول قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي، أن الحزب يدرس حالياً قانون الانتخابات، وعلى أساسه سيتخذ موقفه النهائي “إما بالمشاركة أو المقاطعة”.

في المحصلة، تبدو الانتخابات الطلابية في الجامعة اللبنانية اختباراً مزدوجاً، لقدرة الإدارة على تنظيم استحقاق معقّد بعد سنوات من الغياب أوّلاً، ولاستعداد الأحزاب للتعاطي مع الجامعة كمساحة ديمقراطية لا كساحة نفوذ فقط. بين الإصرار على الإجراء، والهواجس من التسرّع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تعود الحياة الطالبية كاملة، أم تُستعاد شكلياً؟ الإجابة، على الأرجح، ستُكتب في صناديق الاقتراع… إذا وصلت العملية فعلاً إلى نهايتها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى