الضاحية “منطقة عسكرية”… أعلنوها وأنقذوها

الضاحية “منطقة عسكرية”… أعلنوها وأنقذوها
الضاحية “منطقة عسكرية”… أعلنوها وأنقذوها

كتب طوني كرم في “نداء الوطن”:

تعيش الدولة اللبنانية اليوم لحظة اختبار حقيقي. فبعد جولات الحرب والتدمير والنزوح التي يتسبّب فيها “حزب اللّه” دوريًا، إلى جانب ضلوعه وفق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في عمليات اغتيال طالت رؤساء وسياسيين لبنانيين، لم يعد النقاش يدور حول تشخيص المشكلة، بل حول قدرة لبنان على تحويل قرارات الحكومة “الإنشائية” إلى خطوات عملية.

الخطوة الأولى تبدأ بتحرير قرار الحرب والسلم من “فيلق لبنان” في الحرس الثوري الإيراني، والشروع، اليوم قبل الغد، في تنفيذ خطة حصر السلاح، بدءًا ببيروت وضاحيتها الجنوبية، وتجنيب اللبنانيين المزيد من الويلات والدمار.

السلطة التنفيذية أعلنت موقفها بوضوح. ففي خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، كما في البيان الوزاري، تعهّدت الدولة حصر قرار الحرب والسلم بيدها. وفي أكثر من جلسة لمجلس الوزراء، جرى التأكيد على رفض أي عمل عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج المؤسسات الشرعية. كما كُلّف الجيش اللبناني بإعداد خطة عملية لحصر السلاح قبل نهاية عام 2025.

بمعنى آخر، القرار السياسي اتُخذ: احتكار الدولة السلاح، وتحرير لبنان من إملاءات الحرس الثوري الإيراني. لكن التحدّي الحقيقي يبدأ عند التنفيذ وتوقيته.

لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة لتفرّد “حزب اللّه”، بقرار الحرب. مناطق واسعة في الجنوب والبقاع تعرّضت لدمار كبير، ومئات آلاف اللبنانيين اضطرّوا إلى النزوح، إضافة إلى مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمعوقين. أمّا ضاحية بيروت الجنوبية، فقد تحوّلت في الأيام الأخيرة إلى منطقة شبه خالية من سكانها، بعد موجة نزوح واسعة على وقع التهديدات والغارات الإسرائيلية.

هذا الواقع يطرح سؤالًا عمليًا: ماذا تفعل الدولة الآن؟

حتى تاريخه، يتركّز جهد الحكومة على إدارة تداعيات النزوح: مراكز إيواء، مساعدات، وخطط إغاثة. لكن هذا المسار، على أهميّته الإنسانية، لا يعالج أصل المشكلة. فالنزوح هو نتيجة الحرب، والحرب مرتبطة بواقع “حزب اللّه” الشاذ وسلاحه الخارج عن سلطة الدولة، وبالإمرة الإيرانية عليه، بصفته إحدى الأذرع التي تستثمرها طهران في صراعاتها الإقليمية، المتمرّدة على المؤسّسات الشرعية والدستورية.

الإطار الدستوري لإعلان منطقة عسكرية

من هنا، بدأ يتوسّع النقاش في الأوساط السياسية والقانونية حول ضرورة اتخاذ خطوات عملية تحدّ من مآسي اللبنانيين، وفي مقدّمها إعلان الضاحية الجنوبية منطقة عسكرية، كمقدّمة لحماية ما تبقى منها وتنظيفها من الحالات الشاذة التي تعرّض أمن لبنان واللبنانيين للخطر.

هذا الطرح لا يستند إلى موقف سياسي فحسب، بل إلى أساس دستوري واضح. فالمادة 65 من الدستور تعطي مجلس الوزراء صلاحية إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية عندما تتعرّض البلاد لخطر داهم. كما أن قانون الدفاع الوطني يجيز لدى إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية في جميع الأراضي اللبنانية أو في جزء منها، للسلطة العسكرية العليا صلاحية المحافظة على الأمن، واتخاذ التدابير اللازمة، بما في ذلك:

تحرّي المنازل في الليل والنهار. إعطاء الأوامر بتسليم الأسلحة والذخائر والتفتيش عنها ومصادرتها. إبعاد المشتبه فيهم. فرض الإقامة الجبرية على الأشخاص الذين يقومون بنشاط يشكل خطرًا على الأمن، ومنع الاجتماعات المخلّة بالأمن.

المحامي والخبير الدستوري سعيد مالك يوضح لـ “نداء الوطن”، أن “إعلان منطقة عسكرية أو فرض حالة الطوارئ هو قرار يعود حصرًا إلى مجلس الوزراء، ولا يمكن لأي جهة أخرى اتخاذه منفردة، بما في ذلك قيادة الجيش”. ويشير إلى أن “القيادة العسكرية تستطيع، إذا رأت ضرورة لذلك، رفع اقتراح إلى المجلس الأعلى للدفاع ليُعرض لاحقًا على الحكومة، التي تتخذ القرار وفق المادة 65 من الدستور بأكثرية الثلثين”.

بكلام آخر، الغطاء القانوني لتحرير الضاحية من المربّعات الأمنية والعسكرية المؤتمرة من قبل الحرس الثوري الإيراني متوافر بالكامل، وما ينقص هو القرار السياسي.

بين الحسابات العسكرية والواقع الإنساني

من الناحية القانونية والإنسانية، قد يشكّل إعلان مجلس الوزراء، الضاحية منطقة عسكرية موقتة، خطوة حاسمة لدخول الجيش إليها، وضبط السلاح غير الشرعي، وحماية ما تبقى من الأبنية السكنية، ومنع استخدام الأحياء المدنية كمراكز عسكرية وأمنية، وإعادة الاستقرار الأمني إلى بيروت الكبرى، إضافة إلى تمهيد الطريق لعودة السكان إلى منازلهم بعد التأكد من خلوّ المباني من الأنشطة العسكرية.

كما قد يسهم وجود الجيش اللبناني في سحب الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لاستهداف الضاحية، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع مسار دبلوماسي يرسي أسس السلام والاستقرار المطلوب.

وتكمن أهمية البدء في اتخاذ هذه الإجراءات من الضاحية الجنوبية تحديدًا، لأنها تشكل حالة مختلفة عن القرى المتاخمة للحدود التي تشهد اشتباكات عسكرية مباشرة راهنًا. فمعظم سكانها نزحوا بفعل الأمر الواقع الذي فرضه التصعيد العسكري؛ ما يجعل انتشار الجيش اللبناني في منطقة سكنية صغيرة نسبيًا، أقل تعقيدًا من الناحية الاجتماعية والأمنية واللوجيستية.

العميد المتقاعد والنائب السابق وهبي قاطيشا يؤكّد لـ “نداء الوطن”، أن المشكلة الأساسية تكمن في تأخر الدولة في اتخاذ خطوات عملية لنزع السلاح غير الشرعي، محذرًا من أن استمرار التردّد سيؤدّي إلى مزيد من الدمار. ويشدّد على أن من يتخذون قرارات الحرب خارج مؤسسات الدولة باتوا عمليًا خارج إطار الشرعية والقانون.

في المقابل، يرى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن إعلان منطقة عسكرية قد يترك ارتياحًا لدى اللبنانيين إذا ترافق مع خطوات واضحة لوقف الأعمال العدائية، معتبرًا أن القرارات التي اتخذتها الحكومة في ما يتعلق بحصر السلاح تمثل خطوة جريئة ومهمة.

أمّا العميد المتقاعد هشام جابر، فيلفت إلى أن تنفيذ خطة نزع السلاح في ظلّ الحرب قد يحمل مخاطر داخلية لا تقلّ عن التلويح بـ “حرب أهلية”، معتبرًا أن الأولوية في هذه المرحلة، يجب أن تكون لإعلان حالة الطوارئ في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. لكنه يقرّ في الوقت نفسه، بأن قرارات الحكومة تنسجم مع خطاب القسم والبيان الوزاري، ما يجعل تنفيذها مسألة توقيت وتقدير سياسي.

أمام تعدّد المقاربات، يبقى الواقع واحدًا: الضاحية الجنوبية اليوم شبه خالية من سكانها الذين يبحثون عن خيمة ومأوى موقت، واستمرار الوضع على حاله يعني تركها عرضة لمزيد من الدمار.

صحيح أن نزع سلاح ميليشيا “حزب اللّه” لا يقتصر على بيروت وضواحيها. لكن الضاحية الجنوبية قد تشكّل نقطة البداية الواقعية لمسار وامتحان أوسع يعيد تثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

هذا المسار ليس جديدًا. فوثيقة الوفاق الوطني التي أُقرت في الطائف نصّت بوضوح على حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة. كما أن قرارات مجلس الأمن، ولا سيّما القرارين 1559 و 1701، تؤكد ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها واحتكارها قرار الحرب والسلم.

بالتالي، فإن أيّ خطوة تتخذها الحكومة في هذا الاتجاه لا تشكّل انقلابًا سياسيًا على أيّ مكون لبناني، بل تطبيقًا متأخرًا لنصوص دستورية قائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود. فالمشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في الإرادة السياسية الضائعة والمرتهنة، والتي بقيت لسنوات أسيرة الوصايات الخارجية، من نظام الأسد سابقًا، المخلوع في سوريا، إلى الحرس الثوري الإيراني لاحقًا.

من هنا، وأمام تسارع الأحداث في المنطقة، تبدو الضاحية الجنوبية أكثر من مجرّد ملف أمني. إنها اختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة قراراتها إلى أفعال.

الحكومة قرّرت… لكن السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم هو: متى يبدأ التنفيذ؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى