كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
باشرت الدولة اللبنانية خطوات عملية لإعداد الأرضية السياسية والدبلوماسية لأي مسار تفاوضي محتمل مع إسرائيل، في ظلّ التحوّلات العسكرية المتسارعة في الجنوب والتبدّلات الأوسع في المشهد الإقليمي، حيث يتزايد الحديث في العواصم المعنية عن ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة المواجهة إلى البحث في ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد تعيد رسم قواعد الاشتباك وتثبيت الاستقرار الحدودي. ويعكس هذا التحرّك إدراكًا رسميًا بأن مرحلة ما بعد الحرب قد تفرض مقاربة مختلفة للملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل، خصوصًا تلك المرتبطة بترسيم الحدود البرية والنقاط المتنازع عليها، ما يستوجب استعدادًا مسبقًا يتيح للبنان الدخول في أيّ فرصة تفاوضية محتملة وهو يمتلك رؤية واضحة وأدوات مهنية قادرة على حماية مصالحه الوطنية.
في هذا السياق، انطلق العمل على تشكيل وفد لبناني يمكن أن يتولّى مهمة التفاوض المباشر، بحيث يكون لبنان جاهزًا فور توافر الإرادة السياسية الدولية والإسرائيلية لإطلاق هذا المسار. وتشير المعطيات إلى أن المشاورات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة قطعت شوطًا متقدمًا في تحديد طبيعة الوفد وهيكليته، على قاعدة أن يكون وفدًا دبلوماسيًا تقنيًا يضمّ سفراء حاليين وسابقين يتمتعون بخبرة طويلة في العمل الدبلوماسي وإدارة المفاوضات الدولية، وسبق لبعضهم أن خاض تجارب تفاوضية في ملفات سياسية وحدودية واقتصادية حسّاسة. ويهدف هذا التوجّه إلى تأمين مستوى احترافي عالٍ في إدارة أي مفاوضات محتملة، بما يسمح للبنان بتفادي الثغرات التي قد تنشأ عن ضعف التحضير أو غياب الخبرة التخصّصية في ملفات شديدة التعقيد.
غير أن تشكيل الوفد لا يزال يواجه عقدة سياسية تتصل بتمثيل المكوّن الشيعي فيه، إذ تتعامل المرجعيات الرسمية مع هذا الملف بحساسية بالغة انطلاقًا من قناعة بأن أي مسار تفاوضي مع إسرائيل يحتاج إلى غطاء وطني واسع يضمن صلابة الموقف اللبناني ويحول دون تحوّله إلى مادة انقسام داخلي. وفي هذا الإطار، يبرز التشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي بوصفه جزءًا من محاولة الحفاظ على توازنات دقيقة في إدارة ملف التفاوض، ولا سيّما في ضوء الدور الذي اضطلع به في متابعة ملفات التفاوض غير المباشر السابقة بين لبنان وإسرائيل، خصوصًا تلك المرتبطة بترسيم الحدود البحرية وتثبيت الحدود البرية المتوقفة.
بالتوازي مع النقاش حول هوية الوفد، توسّع البحث ليشمل طبيعة الإطار الذي يمكن أن تجري ضمنه المفاوضات، حيث برز في الاتصالات الدولية الأخيرة طرح يدفع باتجاه أن تكون المفاوضات ثلاثية بين لبنان وسوريا وإسرائيل، انطلاقًا من وجود ملفات مترابطة لا يمكن معالجتها بصورة منفصلة، وفي مقدّمها تثبيت الحدود البرية نهائيًا وحسم مصير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والنقاط الحدودية المتنازع عليها. وقد جرى التطرق إلى هذا الطرح بجدية خلال اتصالات رفيعة المستوى، من بينها تواصل جمع قيادات دولية وإقليمية ركّز على ضرورة مقاربة النزاعات الحدودية في إطار إقليمي متكامل يسمح بإنتاج حلول نهائية للنزاعات التي بقيت معلّقة منذ عقود، ما يعكس توجّهًا دوليًا متزايدًا نحو البحث عن تسويات شاملة بدل الاكتفاء بإدارة التوترات المتكررة.
إلّا أن ما تسرّب عن اتجاه لبناني لتشكيل وفد تقني من سفراء حاليين وسابقين لا يبدو أنه سيحظى بقبول تل أبيب وواشنطن في حال الانتقال فعليًا إلى التفاوض المباشر، إذ تشير أوساط دبلوماسية إلى أن طبيعة الملفات المطروحة تتجاوز الإطار التقني لتلامس مسائل سيادية وأمنية استراتيجية، ما يفرض أن يكون التمثيل اللبناني على مستوى وزاري يمتلك صلاحيات اتخاذ القرار وتقديم التزامات سياسية واضحة. وتستند هذه القراءة إلى تجارب تفاوضية سابقة في المنطقة، من أبرزها مفاوضات باريس بين سوريا وإسرائيل التي جرت على مستوى سياسي رفيع وأفضت إلى تفاهم أمني، وهو ما تعتبره هذه الأوساط نموذجًا لما قد يُطلب في أيّ مسار تفاوضي جديد في الجنوب اللبناني.
لا يعني الحراك اللبناني أن المفاوضات مع إسرائيل باتت وشيكة، بقدر ما يعكس قرارًا رسميًا بالاستعداد لمرحلة قد تحمل فرصًا مفاجئة لإعادة رسم التوازنات الحدودية والأمنية في المنطقة. فالتجارب الدبلوماسية أظهرت أن لحظات التسويات الكبرى غالبًا ما تأتي بصورة غير متوقعة، وأن الدول التي تكون جاهزة بوفودها وخططها التفاوضية تكون الأقدر على تثبيت حقوقها وتحصين موقعها في أي معادلة إقليمية جديدة. وبين حسابات الداخل وشروط الخارج، يتحرّك لبنان في سباق متعب مع الزمن، محاولًا الانتقال من موقع المتلقي لتداعيات الصراع إلى موقع الشريك في صياغة مآلاته.