كتب أندريه مهاوج في “نداء الوطن”:
أبرز تصريح جان-إيف لودريان، الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فهم باريس العميق للتوازنات الدقيقة في لبنان، خصوصًا في ما يتعلق بسلاح “حزب الله” ودور الدولة اللبنانية. فقد أكد لودريان في مقابلة متلفزة أن الحكومة اللبنانية الحالية “اتخذت مبادرات لمنع “حزب الله” من متابعة عملياته المسلحة ولضمان تجريده من السلاح”، ما يعكس دعم فرنسا لجهود الدولة والشرعية في استعادة احتكار السلاح وتطبيق سيادة القانون.
مع ذلك، يشير لودريان إلى محدودية قدرة الحكومة على التنفيذ الفوري تحت ضغوط النزاع الخارجي، قائلاً: “لا يمكنهم اليوم أن يطلبوا من الحكومة اللبنانية القيام بهذا العمل خلال ثلاثة أيام تحت القصف”. هذا يوضح الرؤية الفرنسية القائلة إن أي خطوات ملموسة لنزع سلاح “حزب الله” تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة ومفاوضات دقيقة، وليس فقط قرارات شكلية تحت ضغط أي ظروف داخلية أو خارجية وحتى لو كانت نابعة من قناعة سياسية تتقاسمها السلطة مع فئات واسعة من المجتمع اللبناني لانهاء وضع مناف لسيادة الدولة.
دور رئيس الجمهورية والمبادرات اللبنانية
يشيد لودريان بـ “شجاعة” الرئيس اللبناني جوزف عون وحكومته في طلب المساعدة الفرنسية، وهو ما يعكس تقديرًا فرنسيًا للمحاولات الرئاسية لتنفيذ قرارات الدولة وفرض سيادة المؤسسات. وترى فرنسا في هذه المبادرات فرصة لإعادة ضبط التوازن بين مؤسسات الدولة الشرعية وبين ما يعرف بـ “الدولة العميقة” التي تعتمد على تقاسم النفوذ والمراكز بين الميليشيات والمجموعات الطائفية، ما عرقل عمل الحكومة، كما أشار ضمنيًا لودريان عندما وصف الحكومة بأنها تعمل ضمن توازنات تقوم على نفوذ مجموعات وليس على قوة القانون.
الجمود في تنفيذ مبادرات نزع السلاح وحصره
على الرغم من المبادرات الفرنسية، يشير تصريح لودريان إلى تأخر خطوات عملية لتفعيل المبادرة الرئاسية ونزع سلاح “حزب الله”، وهو أمر مرتبط بعوامل عدة:
التقسيم الطائفي والمصالح السياسية: تأثير القوى الشيعية والسنية والمسيحية يجعل أي قرار حازم صعب التنفيذ على الأرض.
الدولة العميقة ونفوذ الميليشيات: الهيمنة السابقة لمجموعات مسلحة على مراكز الدولة تعرقل تمرير القوانين وتطبيقها.
الضغوط الإقليمية والدولية: كما قال لودريان، اختار “حزب الله” “إيران ضد لبنان”، ما يربط أي قرار داخلي بالتوازنات الإقليمية.
ردود الفعل الإسرائيلية والخارجية: التعرض لضغوط أو هجمات خارجية يزيد من صعوبة تحريك الملف داخليًا، خاصة في ظل خوف الحكومة من الانزلاق في مواجهة مباشرة.
جهود فرنسا للتوصل إلى حل
أكد لودريان أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “اتخذ المبادرات اللازمة للتوصل إلى حل وسط كما حدث خلال النزاع السابق في 2024″، ما يعكس الرؤية الفرنسية القائمة على الوساطة والدبلوماسية كوسيلة لإعادة لبنان إلى المسار الصحيح، خصوصًا في ما يتعلق بفرض سيادة الدولة على كل الأراضي والنشاطات العسكرية.
في هذا السياق، تندرج الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت ضمن محاولة فرنسية لإعادة تحريك المياه الراكدة، لكن دون أوهام بإحداث اختراق سريع. فباريس تدرك أن أي تقدم في ملف سلاح “حزب الله” يظل رهينة توازنات داخلية معقدة وتشابكات إقليمية تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية وحدها. لذلك، تبدو هذه الزيارة أقرب إلى إعادة تثبيت الحضور الدبلوماسي الفرنسي ودعم مؤسسات الدولة سياسيًا، أكثر من كونها مبادرة قادرة على فرض حلول تنفيذية فورية. وفي ظل استمرار الجمود، تبقى الجهود الفرنسية محصورة في منع الانهيار الكامل وشراء الوقت إلى حين توافر ظروف إقليمية أكثر ملاءمة تسمح بترجمة المبادرات إلى خطوات عملية على الأرض.
يمكن الاستنتاج أن الرؤية الفرنسية تنظر إلى لبنان كدولة تمر بفترة حرجة، حيث يجتمع فيها ضغط “حزب الله” وسلاحه، وتقاسم النفوذ الطائفي، ووجود الدولة العميقة، ما يجعل أي خطوات عملية لنزع السلاح وتنفيذ الإصلاحات بطيئة ومعقدة. فرنسا، من خلال مبادرات ماكرون ودعم الحكومة والرئيس عون، تحاول الضغط لتفعيل المؤسسات وإنهاء الجمود، لكنها تدرك أن الحلول لن تكون فورية، وأن نجاح أي مبادرة يتطلب توافقًا داخليًا وإقليميًا بعيدًا من أي ضغوط خارجية مباشرة.