تقرير داني دياب:
أدّت الصواريخ الستة التي أطلقها “حزب الله” نصرةً لإيران ومرشدها الأعلى السابق علي خامنئي إلى فتح الباب أمام توغلٍ بري إسرائيلي وقضم مناطق الجنوب اللبناني، في خطوةٍ رفعت منسوب المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة. وتزامن ذلك مع قصفٍ عنيف طال الضاحية الجنوبية ومنطقة بيروت الإدارية، بالتوازي مع موجات تهجير واسعة لسكان جنوب الليطاني والزهراني، ما وضع لبنان عمليًا في قلب النزاع الإقليمي.
وفي مقابل هذا المشهد المتفجّر، تسعى الدولة اللبنانية جاهدة لاحتواء التصعيد عبر مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، إلا أن هذه المساعي لم تلقَ حتى الآن أي تجاوب يُذكر، ما يفاقم المخاوف من انزلاق الأمور نحو مواجهة أوسع.
في هذا الإطار، إعتبر الخبير في الشؤون العسكرية الاستراتيجية العميد المتقاعد خليل الحلو في حديث لـ”IMLebanon”، أن مصطاح “التوغل الإسرائيلي” غير دقيق بل هو إحتلال إسرائيلي، وإذا كان هدفه زيادة حماية شمال إسرائيل فهو محدود، إلا إذا كانوا يريدون توسيع المنطقة العازلة شمالًا إلى حدود البقاع الغربي عند راشيا وحاصبيا، إلا أنهم يمكن ألا يدخلوا إلى هذه المناطق الدرزية لأنهم يعتبرون أنها مناطق غير معادية أو محايدة وبالتالي تركيزهم هو على القطاع الشرقي من عيترون إلى كفركلا وصولًا إلى الخيام باتجاه ابل السقي وصولًا إلى كوكبا، كما انه لجهة مرجعيون – القليعة – برج الملوك – دير ميماس، فهذه مناطق مسيحية والأرجح أن الإسرائيلي لن يدخلها، مضيفًا: “باختصار الهدف الواضح هو خلق منطقة عازلة عمقها 30 كيلومترًا لتأمين شمال إسرائيل من الصواريخ القصيرة المدى، إلا أن هذه البقعة لا تحمي إسرائيل من الصواريخ البعيدة المدى التي يملكها الحزب”.
وأضاف الحلو: “قدرة حزب الله على عرقلة هذا التقدم الإسرائيلي لم تعد كما كانت قبل حرب أيلول الماضي، فعناصر الحزب خرجت من المنطقة بعد الحرب وتركت مراكزها واستلمها الجيش، إلا أنها عادت مع بداية هذه الحرب وبدأت القتال وخصوصًا في منطقة الخيام وموازين القوة واضحة لصالح من في الميدان على الصعيد البري والجوي والتقني أيضًا، وبالتالي حزب الله لن يستطيع منع هذا الإحتلال”. وتابع: “الحزب سيقاوم وسيكبد الجيش الإسرائيلي خسائر ولكن إذا نظرنا إلى الواقع ورأينا حجم الخسائر لدى الطرفين فسنرى من يمتلك موازين القوة”.
كذلك أشار إلى أن “الإحتلال سيكون طويل الأمد والمفاوضات لن تدفع بإسرائيل الى الانسحاب”، مردفًا: “عدم مصداقية الحكومة اللبنانية في مسألة نزع السلاح خلال السنة والشهرين الماضيين ادى إلى هذا الواقع اليوم، فإسرائيل إذا أرادت توقيع سلام تريد أن توقعه مع دولة قادرة على السيطرة على أرضها وقرارها وليس مع دولة حزب الله مسيطر على أرضها وقراراتها وبالتالي على الدولة أن تبرهن إرادتها بالسيطرة على أراضيها ونزع السلاح غير الشرعي وبعدها اللجوء إلى عقد اتفاقية سلام وبالتالي اذا لم يتم تنفيذ ما سبق فالإحتلال سيكون طويل الأمد ويمتد أشهرًا وربما سنوات”.
وردًا على سؤال عن عدد النقاط أو المواقع التي يمكن أن يخسرها لبنان ميدانيًا إذا استمر هذا التوغل، أجاب الحلو: “بعد انتهاء حرب أيلول احتفظ الجيش الإسرائيلي بـ5 نقاط وقال إنها ستبقى طالما حزب الله موجود، أما اليوم فالجيش الإسرائيلي يتكلم عن 18 نقطة وبالتالي هنا لا يمكننا الكلام عن نقاط بل عن مساحة جغرافية كبيرة إلى حد الليطاني والدليل تدمير الجسور وقطع الأوصال. ولكن أعتقد أن إسرائيل لن تدخل برّيًا إلى منطقة جنوب الليطاني كاملة بل فقط القسم الشرقي لأنه المهم بالنسبة لهم وجزء من الأوسط، أما القسم الغربي فيسكون مقسومًا بين احتلال بري في بعض المناطق والبعض الأخر يتم اخلائه من السكان وتُحكم السيطرة عليه جوّيًا”.
أما عن وضع القرى المسيحية والدرزية والسنية القريبة من الحدود، فقال: “هذه القرى تحاول الصمود قدر المستطاع، وإسرائيل استهدفت بعضًا منها عندما كان هناك تواجد لعناصر الحزب بين النازحين فالاستهدافات واضحة”. وأردف: “إذا توسع الإحتلال حول هذه القرى وبقي سكانها فيها فلن يسلموا من نعوت العمالة من قبل الحزب”. وتابع: “على النواب في البرلمان والاحزاب المسيحية والدرزية والسنية حمايتهم عبر قوانين وبالقوة”.
وبالعودة إلى المعنى العسكري لقصف الجسور، شرح العميد المتقاعد أن “هذا القصف هدفه قطع الأوصال ومنع الامدادات العسكرية والمدنية للحزب، إلا أن الحزب في شمال الليطاني، المنطقة التي لم يدخلها الجيش، لديه كمية من الأنفاق والمواد الأولية والأعتدة العسكرية وبالتالي الهدف الاول هو منع عناصر جديدة من الوصول إلى منطقة جنوب الليطاني”.
وعن دعوة أبناء جنوب الزهراني للإخلاء، قال الحلو في حديثه لـ”IMLebanon”: “لا أعتقد أن الإسرائيليين سيدخلون إلى هذه المنطقة إلا إذا استدعوا الـ100 ألف مقاتل وأشركوهم في القتال، إلا أنها تدخل ضمن منطق البقعة العازلة وتوسيعها إلى حدود الـ50 كيلومترًا، وبالتالي يعتبرون أي تحرك في هذه المنطقة معاد وغير مدني واحكام السيطرة الجوية عليها سيمنع الحزب من استعمال مقدراته فيها”.
واستبعد العميد حلو وصول دعوات الإخلاء إلى الأولي، قائلًا: “الإسرائيلي يعلم أنه اذا طلب اخلاء هذه المناطق فلا مكان لنزوح الأهالي إليه”.
أما في ما خص الضاحية، أشار إلى أن “السيناريوهات التي لجأت إليها اسرائيل تندرج ضمن الإفراغ والتدمير الممنهج، فهي كمنطقة لا تؤثر عليها، بل الهدف الاساسي منها هو تدمير البنى التحتية العسكرية والسياسية والإجتماعية والمالية التي تخدم الحزب وجمهوره وزيادة الضغط”.
وفي ما خص التسريبات عن الاستعدادات للتدخل السوري ضد الحزب في البقاع، أوضح الحلو، أن الجيش السوري التابع للرئيس أحمد الشرع عديده لا يتجاوز الـ100 ألف عسكري ولا يملك العتاد اللازم، وفي الداخل السوري لديه العديد من المشاكل منها الوجود الكردي في شمال سوريا، والوجود العلوي في الساحل الذي يتطلب ترك قوة عسكرية هناك لطمأنتهم من جهة وردع أي تحرك ضده من جهة أخرى، والوجود الدرزي في جنوب سوريا، بالإضافة إلى مشكلة داعش التي حاولت اغتياله عدة مرات، وبالتالي الجيش السوري الحالي غير قادر على الدخول إلى لبنان ووضع نفسه في “وكر دبابير”.
وتابع: “الإنتشار العسكري السوري على الحدود اللبنانية والذي تم بالتنسيق مع جهات دولية منها الولايات المتحدة والسعودية وقطر هو فقط لضبط الحدود ومنع عناصر الحزب من الدخول إلى سوريا، وبالتالي كل التسريبات التي تنشر من قبل بعض المصادر والصحافيين تندرج في خانة التهويل”.
وختم الحلو قائلًا: “السيناريوهات الواقعية لإنهاء هذه الحرب هي نزع سلاح حزب الله، وإذا لم ينزع هذا السلاح الإحتلال الإسرائيلي سيطول والحزب سيتمسك بسردية المقاومة وسنعود إلى أوضاع سيئة جدًا، وهذه الحرب لن تنتهي وإذا انتهت ستكون هدنة ونعود بعدها إلى القتال بعد فترة أشهر أو سنوات”.
في ظل هذا التصعيد المفتوح، يبقى السؤال: هل تنجح الجهود الدبلوماسية في كبح الانزلاق أم أن لبنان مُقبل على مرحلة مدمرة؟