كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:
تقول شخصية عربية مخضرمة واكبت نهايات الحرب اللبنانية وصولًا إلى اتفاق الطائف وفصول تطبيقه استنسابًا، “إن النظام السوري السابق ارتكب جملة خطايا بحق لبنان، وكأنه لم يكتفِ بما حصل عليه من يد طولى في التصرف بعد نهاية الحرب، بل أراد أن يعوّض ما عجز عن فرضه في الطائف من خلال إسكات الأصوات السيادية اللبنانية وإحلال أمر واقع عبر تركيب دولة هزيلة والتمييز بين القوى السياسية، فضلًا عن ترك لغم سلاح “حزب الله” بداعي المقاومة ليؤمن وصاية بديلة على خلفية التحالف مع النظام الإيراني.
فالواقع أن النظام السوري السابق كان يدّعي العلمانية، لكنه كان يجد في إيران سندًا مذهبيًا قويًا اعتمد عليه في سوريا وفي لبنان وفي مواجهة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي كان الزعيم العربي الوحيد الذي يتهيّبه الرئيس حافظ الأسد، ولذلك، لم يتردد الأخير في الانضمام إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لطرد قوات صدام من الكويت في شباط 1991، ولو أن نجله بشار اعترض على عملية إطاحة صدام في العام 2003، لأنه كان يخشى تبعاتها على نظامه وهو ما تبيّن بعد عامين مع الانسحاب السوري القسري من لبنان.
وتخلص الشخصية نفسها إلى القول، إن “حزب الله” ما كان ليشتد عوده لولا الغطاء السوري لتعزيز قوته العسكرية في ظله، وقد استفاد أيما استفادة على الرغم من الانسحاب، لتتحول سوريا إلى المعبر الرئيسي للسلاح والمال وحركة الحرس الثوري ومقاتليه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية ومبادرة “الحزب” بدعم إيراني إلى مساعدة نظام الأسد عسكريًا من دون أي حرج. ولذلك، فإن ما يحصل اليوم يشكل فرصة لتخلص لبنان من هيمنة السلاح ليعود إلى نفسه وطنًا للتنوع في ظل الطائف وإلى الحضن العربي كحاجة وثابتة”.
في الواقع ما يحصل اليوم، يلتقي مع هذه الرؤية، فإيران وجدت في لبنان ومن خلال “حزب الله” خاصرتها الغربية القوية وساحتها الأبرز للمناورة والتصرف به كورقة ابتزاز وضغط. وفي هذا السياق يقول نائب سابق حليف لـ “حزب الله”، إن الواقع يفرض عليه القول إن محور الممانعة يتعرض لانتكاسة كبيرة ولو أن الأمور لم تُحسم بعد والمواجهة طويلة، لكن الأكيد أن “الهلال الشيعي العظيم” من غرب أفغانستان مرورًا بإيران والعراق وسوريا وصولًا إلى لبنان قد سقط عمليًا، بعدما بدا أن لا شيء يمكنه تغيير هذا المسار وما يعنيه في الرؤية الإيرانية انطلاقًا من مفهوم ولاية الفقيه.
أما في ما يتعلق بالواقع اللبناني الراهن فإن قراءة متأنية تخلص إلى الاستنتاج أن النفوذ الإيراني إلى تراجع بل إلى انحسار دراماتيكي في لبنان، وأبرز علاماته:
أولًا: توقف قنوات التواصل المباشر بين طهران و “حزب الله”، ومعها تعطل مسارب التهريب للأموال والقيادات والعناصر الأمنية ولشحنات السلاح.
ثانيًا: اضطرار الحرس الثوري بما له من وجود لرموز وكوادر بشرية في لبنان إلى تولي زمام القيادة بعد انهيار الثقة وغياب قيادات أساسية في “الحزب”.
ثالثًا: التململ المتعاظم في البيئة الشيعية رفضًا لاستمرار رهن الطائفة للحسابات الإيرانية والنتائج الكارثية لهذا الرهان
رابعًاا: انفضاض حالة الخوف والحذر من “حزب الله” وسلاحه بدءًا بتحرر الحكم والحكومة في لبنان من هذه العقدة وبروز أغلبية لبنانية ساحقة وصريحة تدعو الى حصر السلاح والسيادة بيد الدولة اللبنانية.
وفي ما خص العامل الرابع تحديدًا، فإن تورط “حزب الله” إسنادًا لغزة ومن ثم إسنادًا لإيران، انعكس سلبًا على إيران و “الحزب” في الوقت عينه على الرغم من المكابرة وتكرار شعار الصمود، ودفع الدولة لبنانية إلى تسريع خطواتها وصولًا إلى حظر كل عمل عسكري وأمني لـ “الحزب”، وهذا الواقع دفع إيران عبر بعض من بقي من قياداتها وعبر سفيرها الذي لم يعتمد بعد في لبنان إلى التصرف وإطلاق المواقف وكأن لا دولة لبنانية بل وإلى انتقاد مباشر لقرارات الحكومة واعتبار لبنان مجرد ساحة من ساحات المواجهة مع أميركا وإسرائيل.
وقد جهد “الحزب” بتوجيهات إيرانية في محاولة اللعب على وتر خلافات مزعومة في صفوف الحكومة والإيحاء بأن وزير الخارجية يوسف رجي تصرف من تلقاء ذاته ووفق انتمائه القواتي، وحاول “الحزب” استغلال هذه الثغرة المزعومة لجرّ الرئيس نبيه بري إلى موقفه، لكن رئيس المجلس تعاطى مع المسألة على طريقة “ضربة عالحافر ضربة عالمسمار”، فهو لا يستطيع التخلي عن تحالفه مع “الحزب” وإلا سينتهي سياسيًا، ولا يستطيع في الوقت عينه مواجهة القرارات الحكومية ومن ضمنها استبعاد السفير الإيراني، لأنه سيصبح خارج الواقع والقدرة على التأثير وخدمة “الحزب” عند اللزوم.
وقد سعى قريبون من “الحزب” عبثًا وبينهم أحد المستشارين الرئاسيين إلى تسريب أجواء تعكس ما اعتبره تحفظًا من رئيس الجمهورية على موقف وزير الخارجية وصولًا إلى احتمال السعي لإلغائه بإخراج معين، لكن الأمر تم تصحيحه من خلال جلسة مجلس الوزراء برئاسة الرئيس نواف سلام والتي تجنب المجلس خلالها التطرق إلى إقرار سحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني ومنحه مهلة لمغادرة الأراضي اللبنانية، فبدا أن القرار نافذ ولا تراجع عنه. بل إن الواقع يقتضي القول إن اتصالات تمت وأجواء دبلوماسية عربية ودولية أبلغت إلى أركان الحكم تأييد خطوة وزارة الخارجية والتحذير من العودة عنها.
وقد حاول كثيرون تقصّي موقف “القوات اللبنانية”، وكان الرد على أعلى المستويات بأن الوزير رجي تصرف بالتنسيق مع رئيسي الجمهورية والحكومة، وبأن “القوات” لم تتدخل في القرار ولو أنها تؤيده بطبيعة الحال وتتمنى أن يُطبق ويستكمل بخطوات أخرى، فضلًا عن إجراءات بحق “حزب الله” الذي يؤمن الغطاء للسفير وللوجود الإيراني غير الشرعي في لبنان.
وقد أبدت المراجع القواتية ثقتها بأن لا تراجع عن القرار لأنه قرار أركان السلطة التنفيذية مجتمعة، علمًا أن التمسك به يمثل دعمًا نوعيًا لوزير الخارجية، وحتى إلغاؤه أو التملص منه يوفر لوزير الخارجية إقرارًا بصدقيته وشجاعته ويستدرج تعاطفًا كبيرًا، لأن القرار شكّل ما يشبه انتفاضة سيادية لمصلحة الدولة اللبنانية أولًا وأخيرًا.