لا عودة بعد الحرب إلى Business as usual

لا عودة بعد الحرب إلى Business as usual
لا عودة بعد الحرب إلى Business as usual

كتب شارل جبور في “نداء الوطن”:

يخطئ من يعتقد أن ما بعد انتهاء هذه الحرب سيكون كما كان دائمًا، أي عودة إلى منطق: Business as usual، حيث يستمر “حزب الله” في الحكومة والبرلمان، ويُعاد تجديد النقاش العقيم حول السلاح بين مؤيد ومعارض، وتتقدّم عناوين إعادة الإعمار على ما عداها، وكأن شيئًا لم يكن. هذه المقاربة سقطت ولم تعد قابلة للحياة.

لقد شهد لبنان في السابق نهايات حروب انتهت بتسويات كناية عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، الذي يمكن أن يتجدّد في جولة جديدة في أي وقت، كما حصل بعد حرب تموز، أو بعد حرب الإسناد في تشرين الأول 2023، حيث جرى الالتفاف على جوهر المشكلة، أي سلاح “حزب الله”، فعادت الحرب لتتجدّد عند كل منعطف إيراني كما حصل في 2 آذار بعد أن كانت توقفت في 27 تشرين الثاني 2024. وهذا ما يجب القطع معه نهائيًا، فتكون نهاية الحرب نهاية للحروب وليس نهاية لجولة، الأمر الذي يستدعي التخلّص نهائيًا من الفريق الذي يستجلب الحروب، أي “حزب الله”.

من الواضح، في المقابل، أن إسرائيل لن توقف حربها هذه المرة قبل تحقيق أهداف واضحة وحاسمة: إنهاء البنية العسكرية لـ “الحزب”، تفكيك شبكاته الأمنية، وضمان عدم قدرته على إعادة إنتاج نفسه عسكريًا. كما لن تكتفي بضمانات نظرية، بل ستسعى إلى واقع ميداني تؤكد فيه الدولة اللبنانية، بشكل صريح وعلني، سيادتها الكاملة على أراضيها.

في المقابل، لا يمكن الاكتفاء بالمواقف الرسمية الحكومية، على أهميتها، مثل قرار 5 آب بنزع سلاح “حزب الله”، أو قرار 2 آذار المتعلق بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ “الحزب”. هذه الخطوات تبقى ناقصة ما لم تُترجم إلى ممارسة فعلية على الأرض. وهنا تقع المسؤولية على رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والحكومة مجتمعة، إضافة إلى مجمل القوى العسكرية الشرعية، للانتقال من مستوى الإعلان إلى مستوى التنفيذ.

إن ما بعد انتهاء الحرب لا يجب أن يكون مجرد مرحلة مختلفة، بل يجب أن يشكّل قطيعة كاملة مع المرحلة الممتدة منذ عام 1990، وربما بشكل أكثر تحديدًا منذ عام 2005. يومها، مع خروج الجيش الأسدي، انتهى النقاش حول وجوده بين من هو معه ومن هو ضده، ولم يعد موضوعًا للخلاف السياسي. وبالمثل، يجب أن ينتهي، بعد هذه الحرب، أي نقاش حول سلاح “حزب الله”، لا أن يُعاد تدويره تحت عناوين مختلفة، فيجب أن تطوي الحرب صفحة سلاح “الحزب” إلى الأبد، فتبقى عبرة فقط للمستقبل لتجنُّب تحوّل أي مجموعة إلى آلة حرب وقتل بعيدًا من كل المفاهيم الإنسانية، فتدمِّر البلد وتقتل من فيه.

وإذا تم الافتراض مثلًا بنسبة 3 % أن هذا السلاح لم تنتهِ قصته مع نهاية الحرب، وإذا بقي مطروحًا للنقاش، فهذا يعني أن لبنان دخل مجددًا في حلقة موت مفرغة، وأن كل التضحيات ذهبت سدى. بل إن إبقاء هذا الاحتمال قائمًا سيشكّل إحباطًا عميقًا لدى اللبنانيين الذين يريدون طي هذه الصفحة نهائيًا، بعدما دفعوا أثمانًا باهظة من حياتهم وأمنهم واستقرارهم واقتصادهم.

الأخطر من ذلك، أن العودة إلى Business as usual تعني عمليًا مكافأة من أدخل لبنان في هذه الحرب المدمرة، ومكافأة من يواصل تخوين اللبنانيين ومؤسسات الدولة، فيما يُفترض بالدولة أن تحاسبه وتسائله على ما ارتكبه، وأن تضع حدًا نهائيًا لوضعيته العسكرية والأمنية، إذ إن هذا أمر لم يعد مقبولًا، لا سياسيًا ولا شعبيًا ولا بأي شكل من الأشكال.

لذلك، يجب أن يكون واضحًا أن ما بعد الحرب هو لحظة تأسيسية، لا استمرارية للواقع المأسوي المستمر منذ العام 1990. لحظة يُطوى فيها نهائيًا نموذج الدولة الغطاء للاحتلال الأسدي حينًا، والاحتلال الإيراني أحيانًا بواسطة الأداة الإيرانية في الداخل، ويُفتح فيها الباب أمام مشروع الدولة الفعلية، القادرة، السيدة.

باختصار، لا عودة إلى Business as usual. لن يكون ما بعد الحرب امتدادًا لما قبلها، بل بداية فعلية لمسار جديد. مسار يضع حدًا لكل المراحل السابقة، ويفتح، للمرة الأولى منذ عقود، أفق قيام دولة حقيقية في لبنان، بعد 36 عامًا من الاحتلال الممانع للبنان.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى