بيروت منزوعة السلاح: لبسط الدولة على جميع أراضيها

بيروت منزوعة السلاح: لبسط الدولة على جميع أراضيها
بيروت منزوعة السلاح: لبسط الدولة على جميع أراضيها

كتبت فتات عياد في “نداء الوطن”:

استطاع “الأربعاء الأسود” أول من أمس، مع استهداف إسرائيل مناطق عدّة في عمق بيروت الإدارية وإيقاع مبانٍ كاملة فيها، وسقوط أكثر من 200 ضحية و 1000 جريح على كافة الأراضي اللبنانية، أن يعيد للأذهان، مشاهد قصف إسرائيل بيروت في ثمانينات القرن الماضي، لتتحوّل عاصمة لبنان، بضربات كورنيش المزرعة وتلة الخياط وغيرها، منطقة منكوبة. ويعود السؤال الأخطر: هل نجح “حزب اللّه” بتحويل بيروت بعد عقود على تحييدها من ضربات إسرائيلية واسعة النطاق، لضاحية ثانية؟ وتعود مطالبات أهالي العاصمة وفاعلياتها بإعلان مدينتهم “بيروت منزوعة السلاح”. كيف لا وغالبية أهالي بيروت، ضد سلاح “الحزب” الذي دفعوا ثمنه باجتياحه لها في 7 أيار 2008.

من هنا، أتت مقررات مجلس الوزراء، بإصرار من رئيس الحكومة نواف سلام، لتطلب من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فورًا بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، رغم امتعاض وزراء “حزب اللّه” في الحكومة. وأول غيث القرار الحكومي، سياسيًّا ودبلوماسيًّا، ما أعلنه رئيس الجمهورية جوزاف عون عن أن “الحلّ الوحيد للوضع الذي يعيشه لبنان هو تحقيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما، وهذا الطرح يلقى ترحيبًا دوليًا كبيرًا وبدأ يتفاعل”.

فهل تبدأ خطوة الألف ميل لبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، بنزع السلاح في بيروت، أو بسط الدولة سلطتها فيها؟

تشدّد مصادر أمنية، على ضرورة عدم اختصار شعار “بيروت منزوعة السلاح” ضد سلاح “حزب اللّه” وحده. فكل الأحزاب في المدينة تمتلك سلاحًا قادرًا على إشعال مشاكل أمنية متنقلة: الحزب “القومي السوري الاجتماعي”، “الجماعة الإسلامية”، حركة “أمل” وغيرها.

وتلفت المصادر إلى أن إعلان “بيروت منزوعة السلاح”، إنما يواجه واقع تثبيت عرف عند الشعب اللبناني، قوامه حمل السلاح الفردي وانتشار هذه الظاهرة، التي عززتها العهود الفاسدة، مع إعطاء رخص سلاح لمطلوبين للدولة أحيانًا.

والسلاح في بيروت، هو غالبًا إما فردي كالمسدس، والكلاشنيكوف أو متوسط. وقد يظهر لدى “شبيحة الشوارع” الذين يفرضون الخوات في بربور، البسطة، سوق الذهب وعلى أبواب المطاعم في طريق الجديدة وصبرا وغيرها. أو حتى بسبب حادث سير بسيط بين سيارتين، ولا ننسى عمليات السلب على الدراجات النارية. وتعزو المصادر تكريس هذا الواقع المسلح في بيروت “لغياب قرار الدولة”.

الدولة: بين القرار والتنفيذ

قراران بارزان للحكومة، التي أعلنت الحداد على ضحايا ضربات لبنان يوم الأربعاء، تجسّدا بـ “التقدّم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتوسعها الأمس الأول، ولا سيّما في العاصمة بيروت، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين.

والقرار الثاني، الذي حاول وزراء “الحزب” في الحكومة التصدي له، تلاه رئيس الحكومة نواف سلام في ختام الجلسة الحكومية أمس، وجاء سندًا لوثيقة الطائف وقرارات الحكومة وحفاظًا على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، بـ “الطلب إلى الجيش والقوى الأمنية المباشرة فورًا بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها واتخاذ التدابير بحق المخالفين”.

والقرارات السيادية اتخذت بدءًا ببيروت في لحظة نكبة بيروتية، وجد فيها أبناء بيروت الذين يرفضون سلاح “حزب اللّه” أنفسهم ضحية استهدافات إسرائيلية. فهل هذه الخطوة كافية؟

لإعلان حالة الطوارئ

لا ضير بالبدء ببيروت كمنطقة منزوعة السلاح أولًا، بهدف تثبيت “أرضية ثابتة”، ثم استكمال لبنان منزوع السلاح في جبل لبنان فالشمال ثم البقاع والجنوب كمراحل أكثر صعوبة، يقول العميد المتقاعد جورج نادر، معتبرًا أن “إعلانًا كهذا يزيد القوة الدبلوماسية للدولة اللبنانية، بأن يقول أمام المجتمع الدولي إننا كدولة فرضنا سلطتنا”.

وفي تشخيص الوضع الذي آلت إليه البلاد، يضيف: “كل ما نراه اليوم في لبنان، هو جنى رجالات الدولة منذ العام 1969، بدءًا باتفاق القاهرة، وتعزيز عمل الميليشيات المسلحة غير اللبنانية”. فتقاعس الدولة اللبنانية عن حصر السلاح بيدها ناتج برأيه من عدم قناعة أو خوف أو تردّد، ولو أخذت الحكومة قرارها منذ أشهر، لكان لبنان اليوم، البلد الأكثر أمانًا في الشرق الأوسط.

ويشدّد نادر على ضرورة أن يكون لبنان كلّه منزوع السلاح، ولا ضير بالبدء ببيروت الإدارية أو بيروت الكبرى كمقدمة لبقية المناطق، فالأدوات موجودة، لكن “إرادة القتال” بالمفهوم العسكري، غائبة، وفي التاريخ أمثلة على وجود إرادة القتال، كإجبار فيتنام للولايات المتحدة على مغادرتها.

وعن الانهيار الاقتصادي كعذر، يسأل: “لمّا عملنا معركة نهر البارد كان في مصاري؟ تبرّع لنا الناس يومها بالـ casque anti-balle (الخوذة المضادة للرصاص) ولم تكن لدينا خبرة قتال، رغم ذلك قاتلنا 1200 مقاتل مدربين في الفلوجة العراق وغيرها من المناطق، ودفعنا ثمنًا كبيرًا، مستخلصًا أن الوسائل البشرية والمادية موجودة، ويلزمنا أن تأخذ الدولة قرارها.

وعن المخاوف على السلم الأهلي، يجيب نادر: “حرب أهلية بين مين ومين؟ فأغلبية الشعب مع الدولة والجيش، بوجه حزب مسلّح خارج عن القانون. ولا عذر للتراجع أو التخاذل”، محمّلًا مسؤولية التخاذل للدولة العميقة وتقاطع مصالحها مع “حزب اللّه”. ويسأل: “ما فينا نفكك الدولة العميقة؟ إلكن سنة و 3 شهور بالحكومة، شو عملتوا؟ عينتم الوزير، القاضي، المدير العام، الموظف، الضابط… وفق الدولة العميقة ومصالح “حزب اللّه” ونبيه برّي، فيما لا نرى اجتماعات مفتوحة للمجلس الأعلى للدفاع أو الحكومة اللبنانية على قدر الأزمة”.

وعلى المستوى العملي، وإن لم تعلن بيروت أو لبنان “منزوع السلاح”، يطالب نادر بضرورة فرض حالة الطوارئ اليوم أقلّه، نظرًا للوضع الأمني الراهن، فحالة الطوارئ، يفرض فيها منع التجول في ساعات محدّدة، وتصادر فيها كل الأسلحة وكل المنشآت التي تحوي أسلحة، وتداهم منازل وبيوت ومقرات حزبية، ويُسجن المخالفون، وأي شخص يحمل سلاحًا يصبح خارجًا عن القانون.

لا 7 أيار جديد

رئيس “لقاء سيدة الجبل”، النائب السابق فارس سعيد بدوره، يذكّر بأن شعار “بيروت منزوعة السلاح” أتى بعد 7 أيار 2008، بعد اجتياح “حزب الله” بيروت، الذي أدّى لذهاب الحكومة للدوحة في قطر وانتخاب رئيس جمهورية وانتزاع حق الفيتو في مجلس الوزراء (ما عرف بالثلث المعطل)، وهو ليس بعنوان جديد، إذ نعود إليه كلّما حصلت أحداث كبيرة، نستفيق من خلالها على أن بيروت العاصمة تمثل 50 % من المصالح الإدارية، التجارية والاجتماعية.

سعيد الذي شارك في صناعة العنوان في الأمانة العامة لقوى 14 آذار، “عندما جرحت بيروت والجبل والشمال، وكان سقوط بيروت سياسيًا بمثابة سقوط كل لبنان”، يرى باستعادة هذا العنوان اليوم محاولة لإخراج بيروت من الصراع كمنطقة خالية من السلاح، لكنه غير مؤمن بتنفيذه، فهو عنوان علاجي برأيه أكثر من كونه سياسيًا قابلًا للتطبيق. ويسأل: “لماذا لا نقول كل لبنان منزوع السلاح؟”.

فقصف إسرائيل بيروت الإدارية برأيه، ينطوي على عدة رسائل إسرائيلية، أولاها، القول إن أي عاصمة عربية قد تطولها إسرائيل، ثانيتها، القول للولايات المتحدة إن أي تسوية مع إيران لا بدّ أن تشمل أمن إسرائيل، وكذلك هدفت الضربات إلى تهديد “حزب اللّه” بحجم قدرات إسرائيل التقنية، وآخرها فضح إيران التي لم تكن متحمّسة للدفاع عن “الحزب”، ولم تطلق أي صاروخ لمساندته، بل كانت على طاولة إسلام آباد الباكستانية، “تبيع جلد حزب اللّه”.

وعن وظيفة شعار “بيروت منزوعة السلاح” داخليًا، يعلّق سعيد: “لا خوف من 7 أيار جديد؛ فإذا كان الأول تراجيديًّا، فالثاني سيكون كوميديًّا، فالظروف تغيّرت، من مشاركة مقاتلين لـ “أمل” في حينه، ووضع الحدود اللبنانية – السورية المفتوحة وقتها لصالح “حزب اللّه” في عهد الأسد، إلى العمق المسيحي المتحالف مع “الممانعة”، وغض النظر أو “قبة الباط” من الجيش اللبناني… نجد أن كل هذه الظروف اليوم انتفت”.

هذا ويشدّد سعيد على أنه “لا تجزئة بالأمن ولقرار سياسي واحد على مساحة لبنان يحمي بيروت ولبنان، وهو بسط سيادة الدولة وحدها”.

كي لا تدفع بيروت الثمن مجددًا

هناك عقلية أمنية، تقول إن البدء ببيروت العاصمة، كمنطقة منزوعة السلاح، يأتي أيضًا من منطلق سياسي، بمعنى أن أهل العاصمة أنفسهم يريدون الدولة، وهو ما يسهل على الدولة مهمتها على عكس مناطق أخرى تؤيّد الدويلة، أو أقله تخضع لسلطة الدويلة بشكل مباشر كالضاحية. هذه العقلية ترى أن نجاح الدولة بفرض سلطتها على العاصمة المركزية، على المستويات كافة، سيصبح نموذجًا يعمّم، ويعزز ثقة المواطن أولًا بدولته، فيجعل مناطق أخرى، ترى أثر الدولة وتطالب بها، وسيعزز ثقة الخارج بلبنان ثانيًا، كممرّ ضروري للإنقاذ أو لأي مفاوضات لا يخسر فيها لبنان كل أوراقه التفاوضية أمام إسرائيل.

أما الشارع البيروتي الذي لملم جراحه أمس، فيسأل: من 7 أيار 2008 إلى انفجار 4 آب، فالأربعاء الأسود في 8 نيسان: إلى متى تدفع بيروت ثمن سلاح “حزب اللّه” وغياب الدولة؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى